توطئة

صدر عن دار “مقاربات للنشر بفاس” كتاب “أنثروبولوجيا السوق والتسوق: التأويل الثقافي للممارسات الاقتصادية” للباحث في علم الاجتماع الدكتور عبد الرحيم العطري هذا العمل الذي ينتظم في 620  صفحة من الحجم الكبير، يعد جزءا من رهان معرفي وبحثي لتفكيك وفهم واقع الممارسات الاقتصادية التقليدية، ومحاولة للنفاذ إلى الزخم الدلالي والرمزي الذي يضفيه الأفراد على هذه الممارسات المثقلة بمجموعة من التمثلات والقيم الاجتماعية. لذلك لا يتعامل المؤلف مع السوق بوصفه فضاءً اقتصادياً محضاً، بل باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية تنتج المعاني والقيم والتمثلات، وتساهم في إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع. ومن هذا المنطلق، يندرج الكتاب ضمن حقل الأنثروبولوجيا الاقتصادية التي تسعى إلى تجاوز النظرة الاختزالية للاقتصاد باعتباره مجالاً مستقلاً عن المجتمع، لتؤكد أن الممارسات الاقتصادية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبنى الثقافية والرمزية وأنساق السلطة والهيمنة.

مضامين الكتاب

يكشف العطري من خلال تحليلاته أن السوق يشكل مختبراً اجتماعياً مفتوحاً يمكن من خلاله قراءة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي في ظل العولمة وثقافة الاستهلاك. فالأفراد لا يشترون السلع فقط لإشباع حاجاتهم المادية، وإنما لتأكيد مواقعهم الاجتماعية وصياغة هوياتهم وإبراز انتماءاتهم الطبقية والثقافية. ولذلك تصبح العلامات التجارية والأزياء وأماكن التسوق أدوات للتعبير عن الذات ولإنتاج التمايز الاجتماعي، في انسجام مع التصورات السوسيولوجية التي ترى في الاستهلاك لغة رمزية بقدر ما هو نشاط اقتصادي.

وتزداد أهمية الكتاب عندما يوظف المؤلف المنهج الإثنوغرافي القائم على الملاحظة المباشرة والمعايشة الميدانية. فالسوق هنا لا يُدرس من خلال الأرقام والإحصاءات فقط، بل من خلال تفاصيل الحياة اليومية، وحركات الأجساد، وأنماط التفاعل، والخطابات الضمنية التي تنتجها فضاءات التسوق. وهذا ما يجعل العمل أقرب إلى “أنثروبولوجيا للحياة اليومية”، حيث تتحول الممارسات البسيطة والعادية إلى مؤشرات كاشفة عن بنية المجتمع وقيمه وتناقضاته.

كما يسلط الكتاب الضوء على التحول الذي عرفته فضاءات الاستهلاك الحديثة، خاصة المراكز التجارية الكبرى، التي أصبحت تؤدي وظائف تتجاوز البيع والشراء لتتحول إلى فضاءات للترفيه والتنشئة الاجتماعية وصناعة الرغبات. فهذه الفضاءات تقدم نفسها باعتبارها أماكن مفتوحة للجميع، لكنها في الواقع تعيد إنتاج الفوارق الطبقية عبر آليات رمزية دقيقة تجعل بعض الفئات تشعر بالاندماج والشرعية، بينما تدفع فئات أخرى إلى الإحساس بالتهميش أو الإقصاء. وهنا تبرز أهمية القراءة الأنثروبولوجية التي يعتمدها العطري في كشف ما تخفيه الواجهات الاستهلاكية اللامعة من علاقات قوة وتمييز اجتماعي.

ومن الناحية النظرية، يستند المؤلف إلى مجموعة من المرجعيات السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تنظر إلى الاستهلاك باعتباره ممارسة ثقافية ورمزية، حيث لا تقتصر قيمة السلع على منفعتها المباشرة، بل تتجاوز ذلك إلى قدرتها على إنتاج المعنى وترميز المكانة الاجتماعية. لذلك يصبح التسوق فعلاً اجتماعياً مركباً يكشف عن التراتبية الاجتماعية وأنماط الذوق والاختيارات الثقافية السائدة داخل المجتمع.

ويكتسب هذا العمل أهميته أيضاً من أسلوبه الذي يجمع بين الصرامة العلمية واللغة السلسة، مما يجعله قريباً من القارئ المتخصص وغير المتخصص على حد سواء. فالكتاب لا يقدم وصفاً للأسواق بقدر ما يقدم قراءة نقدية للمجتمع المعاصر من خلال بوابة الاستهلاك، وهو ما يجعله مساهمة نوعية في إثراء الأنثروبولوجيا الاقتصادية العربية والمغربية.

خاتمة

يندرج هذا الكتاب ضمن مشروع فكري أوسع للأستاذ عبد الرحيم العطري، الذي اهتم في أبحاثه بقضايا الثقافة الشعبية، والهامش الاجتماعي، والشباب، والمدينة، والتمثلات الاجتماعية، والتحولات القيمية، والظواهر المرتبطة بالحياة اليومية في المجتمع المغربي. وتتميز أعماله بالجمع بين الحس السوسيولوجي والاقتراب الأنثروبولوجي من التفاصيل الدقيقة للواقع الاجتماعي. ومن أبرز مؤلفاته: “أنثروبولوجيا الحج الإسلامي: من التجربة الدينية إلى النقد المنفتح“، “أنثروبولوجيا السوق والتسوق: التأويل الثقافي للممارسات الاقتصادية”؛ موضوع هذا التقديم. وكتاب “قرابة الملح: الهندسة الاجتماعية للطعام“. وهي أعمال تعكس اهتمامه الدائم بفهم المجتمع المغربي من خلال ظواهره اليومية ورهاناته الثقافية والرمزية، وتؤكد مكانته ضمن الجيل المعاصر من الباحثين الذين أسهموا في ترسيخ المقاربة الأنثروبولوجية والسوسيولوجية النقدية في المغرب.