المحتويات
توطئة
لعل من البديهي لدى العقلاء أن عصرنا هذا موسوم بكونه عصر تفاهة بامتياز. فالتسطيح الفكري أضحى غاية الكثير من الوسائل والمواقع التكنولوجية. ووجد هذا الأمر قابلية لدى الكثير من الناس حتى استمرأوه وتعايشوا معه.
وليس هناك حل لهذه المعضلة إلا بالقراءة الجادة والفاعلة. لأن الإنسان أضحى فاقدا لذاته. وأخذ يبحث عنها في كل المواطن. ومنها اللجوء إلى السيلفي والتقاط الصور عله يجد فيها ذاته. لذا “يمكن اعتبار صورة السيلفي بمثابة بحث مستمر عن الذات على منصات الرقمنة، دون الوصول إلى تحقيقها كأنما لسان المبحر السيبراني الباحث عنها يقول عكس الكوجيطو الذي صاغته “إلزا غودار”: “أنا أوسيلفي إذن أنا غير موجود، وإنما أنا في طور البحث عن الوجود”، إنها دينامية البحث عن الصورة الأمثل للذات. أليس هذا نوعا من النرجسية المفرطة والتي شطت على عقول الكثيرين الذين تنقصهم الثقافة الرزينة والهادفة؟ وهذه لا تتأتى إلا بالقراءة، كما سبق القول.
وفي هذا السياق تبرز تجربة الكاتب والروائي حسن الباعقيلي المهووس بالقراءة والكتابة من خلال مقالات وخواطر سماها: “كتب وظلال” وكأن الكاتب يستحضر هنا قول الله عز وجل: “أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ…. داخرون”.
إن مشهد الظلال حسب سيد قطب “تمتد وتتراجع، تثبت وتتمايل، مشهد موح لمن يفتح، ويوقظ حسه، ويتجاوب مع الكون من حوله”.
ومن هذا المعنى استقى الكاتب حسن الباعقيلي فكرة الكتاب. وهو المتشبع بالثقافة القرآنية، فأخذ يتفيأ في ظلال كتب لكتاب كبار. فوجد فيها راحة وفائدة لا تضاهى.
ولا شك أن بالقراءة نسمو بأفكارنا ورؤانا وقناعاتنا. فنتعرف على العالم على حقيقته لا كما يتوهمه المبحرون في المواقع الافتراضية التي تبعد المرء عن واقعه الحقيقي.
مضامين الكتاب
من خلال المقالات المبثوتة في ثنايا الكتاب نجد حضورا للكتاب المتمرسين بالكتابة، وهكذا حضرت أسماء شهيرة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وحنا مينه، ثم المسيري، وعبد الرحمن منيف، والطيب صالح، ومحمد عابد الجابري، وحسن أوريد، وأيمن العثوم، وأنيس منصور. وهذا غيض من فيض. مما يدل على أن الكاتب له نفس طويل في مجال القراءة. وهو أيضا المتمرس بالكتابة وخصوصا في مجال الابداع. فهو العائد من هناك ليجد أن عبلة لم تمت، ثم ليضع من غصنه المقوس عدته لمواجهة مجال الإبداع.
إنه قارئ جيد وكاتب مرموق، وليس أنه يقرأ ليكتب فقط، لأنه سوف يكون موصل رسائل ليس إلا حسب عباس محمود العقاد. بل سيكون كاتبا بالتبعية، وليس كاتبا بالأصالة.[1] لكنه يقرأ لأن له حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفي.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذه القراءات وهذه المقالات أن الكاتب كان قارئا جيدا لما يقرأه، حيث لا يطرح الأسئلة فقط بل كان يجيب عنها ويقرأ ما بين السطور. ويبدي رأيه دون مجاملة أو محاباة حيث إن “القارئ الجيد هو الذي يطرح الأسئلة على الكتاب الذي بين يديه، يطرح الأسئلة عليه قبل القراءة، وفي أثنائها، وبعدها (…) ثم إن القراءة المعروفة بالقراءة ما بين السطور، هي التي هي التي تقوي فاعلية طرح الأسئلة على الكتاب، كما أن الكتابة ما بين السطور تحتاج إلى قراءة من النوع نفسه. والعكس صحيح. ومن لا يفعل ذلك فهو ليس من القراء الجيدين[2]“.
وأعتقد أن الكاتب حسن الباعقيلي من هذا الطراز حيث أدلى بدلوه في مسألة خطيرة أصبحت ملازمة لنظامنا التعليمي الجامعي. وهي موضة الشهادات. إذ ليس كل ما يلمع ذهبا كما يقال. وليس كل من يحمل شهادة جامعية عالما ومثقفا وعارفا بخبايا الأمور. وفي هذا الصدد يقول موضحا هذه المعضلة: “ذلك لأن شهادة الجامعة لا تقوم دليلا على محبة المعرفة والإخلاص في السعي إليها، والمثابرة في الحصول عليها. ولا حتى على الكفاءة العلمية والمقدرة المعرفية. هذا عدا عن أن خريج الجامعة غالبا ما يعتبر لحظة تخرجه منها هي نفسها لحظة وصوله إلى خط النهاية.” مقال: “علم القراءة.. مساهمة في التأسيس”.
وقد جعل الكاتب حسن الباعقيلي هذا المقال أهم مقال في الكتاب ويحظى بحصة الأسد فيه، لأنه الأساس لما سبقه ولما لحقه من مقالات، ويمكن عده خارطة طريق لتكوين شخص له آليات الاشتغال على القراءة وبالقراءة.
ولعل الكاتب قد أجاد وهو يحصي ملامح أزمتنا وأزماتنا المرتبطة بوضعنا الحالي الذي يضببه ضباب الجهالة والأنانية والادعاء.
ومن القضايا اللافتة التي حرك الكاتب حسن الباعقيلي مياهها الآسنة والراكدة، فأدلى فيها بدلوه وهو يناقش منظور محد عابد الجابري للمثقف، ومن هو هذا المثقف في الفكر العربي الاسلامي؟ وكيف تم اخراج المثقف من وظيفته ومسؤولياته؟ وهذا موضوع شائك خاض فيه العديد من الباحثين والمفكرين، وتنوعت فيه رؤاهم واختلفت مذاهبهم.
والقول الفصل والجامع لمفهوم المثقف هو ما رآه ماكس فيبر (max Weber) حين رأى “أن المثقف هو من يحمل صفات ثقافية وعقلانية متميزة تؤهله للنفاذ في المجتمع والتأثير فيه بفضل المنجزات القيمة الكبرى[3]“.
لقد خلخل الكاتب حسن الباعقيلي بعضا من المسلمات الفكرية والأدبية لدى بعض الناس حول تلك القداسة والهالة التي يموضعون في داخلها بعض الكتاب. وكأن الخطأ لا يأتيهم من بين أيديهم ولا من خلفهم. وهذا ما نراه حين ناقش الجابري وحسن أوريد في بعض الجزئيات من خلال كتبهم.
هذه المقالات إذن وهذه الخواطر الباعقيلية هي جهد ينم عن الاطلاع الواسع والشغف بالقراءة والبحث والفضول المعرفي. وهو نعم الفضول ونعم الإدمان في زمن أصبح فيه الناس على شفا حفرة من التسطيح الهادر والخواء المدوي. ولا شيء تستطيع به مواجهة هذا كله غير القراءة والكتابة. وتلك عدة من يسعون إلى الصلاح والإصلاح، ومن هم مهووسون بألق الكلمة. لأن “الهدف من معاشرة الكتب وغايتها ليس هو احداث قطيعة مع الحياة العادية المبتذلة إنما تغييرها[4]“.
خاتمة
في الأخير لا بد أن نشير إلى أن القراءة والكتب والبحث تواجه خطر التكنولوجيا، لذا فالذكاء الاصطناعي سوف يدوس على كل لذة ونشوة يخلقها الكتاب. وأخشى أن يتحول إلى الغباء الاصطراعي. فيصرع عقول وأفكار الكثيرين الذين لا يعلمون عقولهم. وقد صدق روبير ريديكر (Robert Redeker) حين قال: “لم يعد بإمكان الناس، مع ظهور التكنولوجيا الجديدة، التمتع بحياة حميمية. فرقمنة العالم التي سرعت من وثيرتها شبكات التواصل الاجتماعي ستقود إلى حدوث تحولات كبيرة في سلوك الناس”.[5]
المراجع
[1] أنظر عباس محمود العقاد: "أنا" نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. مصر العربية. طبعة 2024. الصفحة 68.[ii] الدكتور عبد اللطيف الصوفي: "فن القراءة: أهميتها، مستوياتها، مهاراتها، أنواعها" دار الفكر. دمشق، سورية. طبعة أولى 2007. الصفحة 159
[iii] نقلا عن محمد حامد الأحمدي، مسؤولية المثقف". منتدى العلاقات العربية والدولية. الدوحة قطر. الطبعة الأولى 2018. الصفحة 35.
[iv] محمد بوبكري ."لماذا يجب أن نقرأ؟" دار الثقافة للنشر والتوزيع. الدار البيضاء. الطبعة الأولى 2009. الصفحة 37.
[v] روبير ريديرك. "شبكات التواصل الاجتماعي" ترجمة وتقديم سعيد بن كراد. المركز الثقافي للكتاب. الدار البيضاء؟ الطبعة الأولى 2023. الصفحة 37.