الأسرة اللغوية للأمازيغية

تنتمي اللغة الأمازيغية حسب المختصين إلى المجموعة الحامية-السامية، التي تشتمل على الفروع الآتية: الفرع السامي، والفرع المصري-القبطي، والفرع الكوشي، والفرع التشادي، ثم الفرع الليبي-الأمازيغي. ويتكون هذا الفرع الأخير من اللغات الليبية والأمازيغية والغوانشية. واللغة الأمازيغية لغة قائمة بذاتها، ليست لهجة متفرعة عن لغة أخرى، ولها هي لهجاتها المتفرعة عنها المنتشرة في المغرب والجزائر وليبيا وجنوبي تونس وموريتانيا ومالي والنيجر. وهي لهجات تلتقي في أصل واحد بصورة واضحة، لا في معطياتها النظرية فحسب، ولكن حتى في معطياتها المتصلة بالممارسة والاستعمال. وقد أكد ذلك الفرنسي أندري باسي André Basset عندما قال: “ينتقل الباحث من لهجة إلى لهجة دون أن يحس بأنه ينتقل” ثم أضاف “إن بنية اللغة الأمازيغية وعناصرها وأشكالها الصرفية تتسم بالوحدة إلى درجة أنه إن كنت تعرف حق المعرفة لهجة واحدة منها استطعت في ظرف أسابيع أن تتعلم أية لهجة أخرى، تدلك على ذلك التجربة، إذ اللغة هي اللغة نفسها ولقد عجبت لذلك”[1].

ومن نقط ضعف هذه اللغة، اعتمادها بشكل كبير على الآلية الشفوية دون الكتابة والتدوين. فلم يقدر التدوين من إلا لعدد ضئيل من مآثرها الأدبية. أما الباقي فقد ضاع مع الزمن. ومما دون نذكر على سبيل المثال شعر سيدي حمو السوسي المتعدد الأغراض (القرن 18م). وكتابي “الحوض” و”بحر الدموع”  للفقيه محمد أعلي أوزال (الهوزالي) في القرن 19م، وكلاهما في قواعد الفقه على المذهب المالكي، وقد الفهما بلسان تشلحيت (التعبير الأمازيغي النتشر في منطقة سوس بالمغرب) وكتبا بالحروف العربية. ونجد أيضا شعر السي موحند القبائلي (القرن 19م) وهو شعر ذو نفس فلسفي، وشعر تاوكرات (Taougrat) الملحمي (بداية القرن 20م)[2]. كما أن اللغة الأمازيغية لم تكن قط لغة تلقين وتعليم، ولم تكن موضوع بحث وتحليل إلا ابتداء من القرن 19م.

الكتابة الأمازيغية القديمة

يرجع ظهور الحروف الأمازيغية الأولى إلى عهود قديمة، حيث يعود استعمالها إلى ما يزيد عن 3000 سنة قبل الميلاد، ويمتد مجال انتشارها من واحة سيوا بمصر شرقا إلى جزر الخالدات غربا، ومن الضفة الجنوبية للبحر المتوسط شمالا إلى النيجر ومالي جنوبا. توجد في مصر مجموعة سيواه؛ وفي ليبيا مجموعات آوجلة وسوكتة وزوارة ونفوسة؛ وفي تونس هناك مجموعات ساقية ومجورة وسند وتامزرات وزوارة وشنيني ودويرات وجربة؛ وفي الجزائر توجد مجموعات الشاوية ومزاب والقبائل؛ أما في المغرب فهناك مجموعات الريف والأطلس المتوسط والأطلس الكبير والأطلس الصغير وكذلك مجموعات تقطن الجنوب الشرقي والجنوب الغربي. وتوجد مجموعة التوارك (الطوارق) جنوبي الجزائر وشمالي مالي والنيجر؛ اما مجموعة إزناكن أو زناكة (صنهاجة) فهي توجد في التخوم الموريتانية-السينغالية؛ وأخيرا هناك ماتبقى من مجموعة الغوانش في جزر كناريا (جزر الخالدات). وبسبب غياب إحصاءات دقيقة فإنه يصعب تحديد عدد الناطقين بالأمازيغية. ويلاحظ في هذا الباب أن كثافة المجموعات الأمازيغية تزداد من الشرق إلى الغرب، وأن هذه المجموعات توجد في الأرياف أساسا، وتتركز أهم المجموعات الناطقة بالأمازيغية في المغرب والجزائر والصحراء[3]. وحسب آخر إحصاء عام للسكان والسكنى في المغرب RGPH))، وبغض النظر عن دقة هذه الأرقام، فإن نسبة الناطقين بالأمازيغية بمختلف تعبيراتها من مجموع ساكنة المغرب تبلغ 27 في المائة[4].

تسمى  حروف اللغة الأمازيغية ب “تيفيناغ”، والتي يبقى مدلولها غير واضح رغم أن هناك من يربطها بفينيق وفينيقيا، رغم أنه ثبت أنها غير منقولة عن الفينيقية. وتتميز الأبجدية الأمازيغية بكونها  تتكون من حروف صامتة خصوصا في المراحل الأولى من وجودها. ويعتقد أن عدد تلك الحروف الصامتة كان 16 حرفا. وقد صار 23 حرفا في عهد المملكة المازيلية النوميدية. وقد أضيفت لها في وقت متأخر حروف صائتة سميت “تيدباكين” تقابل الفتحة والكسرة والضمة. وتسمى الأبجدية في مجموعها “أكامك”[5]. وعلى العموم تتعدد وتتنوع الأبجدية الأمازيغية، حيث هناك على الأقل عشر منظومات ألفبائية لتيفيناغ، تتوزع على مناطق مختلفة من بلاد شمال أفريقيا، بحيث يبلغ العدد الإجمالي للحروف الخطية المستعملة حسب المناطق، مابين 29 و 42 حرفا.

أما اتجاه الكتابة فيمكنها أن تتخذ عدة اتجاهات، إذ ليس هناك أعراف أو قيود في هذا المجال. وهكذا يمكن للكتابة أن تتخذ اتجاها عموديا، من أسفل إلى أعلى ومن أعلى إلى أسفل، أو اتجاها أفقيا، من اليمين إلى اليسار أو العكس، أو اتجاها دائريا أو لولبيا أو قلبيا. فقد كان الأمازيغ في البداية القدماء يكتبون عموديا بهذه الحروف على جدران الكهوف وعلى الصخور. أما الكتابة الأفقية فيظهر أنها نتجت عن تأثير الكتابة اللاتينية، وخاصة في الاتجاه من اليسار إلى اليمين. وبالكتابة العربية بالنسبة للاتجاه من اليمين إلى اليسار، ولا يعتبر هذا النمط أسلوبا قديمان إذ لم يتبين وجوده في العصور القديمة[6].

وقد ترك الأمازيغ القدامى على الصخور والصفائح الحجرية على عدد لا مهم من النقائش سواء في المغرب: كنقوش عزيب نيكيس وياكور بالطلس الكبير، ونقش صفيحة أزرو، ونقش صفيحة تيفلت وغيرها، أو في دول: تونس والجزائر، بعضها مصحوب بالترجمة اللاتينية أو الفينيقية. وتننتظر هذه النقوش اختصاصيين ليفكوا كثيرا من أسرارها، يشترط فيهم أن يكونوا ملمين أولا باللغة الأمازيغية، ثم بإحدى اللغات التالية: الفينيقية أو اليوناينة أو اللاتينية[7]. كما أنها متداولة في بعض عدد من البلدان المغاربية والإفريقية، وخاصة في المغرب والجزائر وفي النيجر ومالي.

المراجع
[1] شفيق محمد، ثلاثة وثلاثين قرن من تاريخ الأمازيغيين، ص 62.[2] شفيق محمد، مرجع سابق، ص 64.
[3] معلمة المغرب، أحمد بوكوس، مادة أمازيغية، الجزء 3، ص 680.
[4] أنظر: http://rgphentableaux.hcp.ma/ (اطلع عليه يوم 15 فبراير 2020).
[5] شفيق محمد، مرجع سابق، ص 65-66.
[6] معلمة المغرب، الحسين المجاهد، مادة تيفيناغ، الجزء 8، 1989، ص 2724-2725.
[7] شفيق محمد، مرجع سابق، ص 66.