المحتويات
توطئة
يُفاجِئُ العلّامة الأديب عبد الله كنون القارئَ بمطْلعٍ غير مألوف في التّأليف المعاصِر. يُضمِّنُه موقِفَهُ ورأْيَه بشأن ما قيلَ عن انتكاسة الإسلام وإضعافِه، وتَرَدّي حال المسلمين عقِبَ التّحول العصيب والمؤثِّر مِن زَمن الخلافة الراشدة إلى زَمن الـمُلك الأموي فالعباسي. مؤكِّداً أنه ليْسَ”ممّن يَرى أنّ الإسلام بَدأ يَنحطّ منذ احتِجاب الخلافة الراشدة وقيام الخلافة الأموية احتجاجا بالحديث الشريف القائل (الخلافة بَعدي ثلاثون؛ ثم تكون مُلكا عَضوداً)”[1]. مُرجِعاً ذلك إلى كون الإسلام العظيم ودعوته الكريمة الخالدة لا يَستقيم ولا يُعقَل أنْ تأتي لِــتَلْبَثَ في الأرض ثلاثينَ سنة فقط، ثم تَذهَبَ جفاءً.
رسالة إلى من يهمهم الأمر
يرى الشيخ كنون أنّ الإقلاب الأكبر الذي مَسّ الحضارة الإسلامية بالتعثّر والتّدهور لم يكن زمن الأمويين ولا العباسيين ولا العثمانيين؛ إنما جرى بِتَسلّط الأجنبي علينا، في صيغتيْ الحروب الصّليبية في العصر الوسيط، والاستعمار الغربي المباشِر في العصر الحديث، الذي حَلّ بِثِقْلِ قِيَمِهِ المنحَلَّة، وتَجبّرَ باستبداده وقمْعه وأنانيته ولا إنسانية بيننا.
تبدو رسالة كتاب “الإسلام أهدى”[2] واضِحة منذ البداية؛ بَيانُ تفوّقِ الإسلامِ باعتبارِه أهْدى نظام ومذهب مِن بين المذاهب والأنظمة السائدة، عَبْرَ مباحث وعروض “مركَّزة ومُوَثَّقَة بالنّصوص والمراجع”، تُعالج قضايا: المِلكية الفردية، الرّق، المرأة، الاقتصاد، نِظام الحكم. في سَعْيٍ حثيثٍ ومناقشة هادئة إلى تحقيق “الشّعور بالطّمأنينة والقناعة العقلية”[3] في صفوف شباب وشيوخ أمّة الإسلام المعاصرة.
الملكية الفردية في الإسلام
يَبْحَثُ الشيخ كنّون هذه الأصول مِن لَدُن العهد النّبوي فالراشدي، وصولاً إلى ما آلت إليه التّجربة العربية المعاصرة مِن فساد وإفساد. ويَشْرَح بعَقْلية الفقيه المتنوّرِ سياسةَ الإسلام في الأموال، القائمة أساسا على “أصْل أصيل مِن حرية المعاملة، ورَفْع الـحَرَج عن النّاس فيما لا يَضرّ بمصلحة أحد، ولم يَعتَبِرِ الإسلامُ أَصْلَ التملّكِ مُطَلَقا مما يَضرّ بالـمصالح العامة أو الخاصة، ولكنّه نَظَرَ في وَجْهِ الـمِلْك وحرِص على أنْ يَكون سليما، ومِن ثَمّ نهى عن الاحتكار، وحرّم الربا”[4].
يُعدّد الأستاذ كنّون محاسِن الإسلام ومواقفه تُجاه هذه القضية. فمِن ذلكَ؛ تَيْسيرُ الإسلامِ على الأغنياء والبسطاء على حدّ سواء أنْ يمتلكوا ويَغتَنوا ويُنمّوا ثرواتهم بالوسائل والطرق المشروعة، وضمانُه حُرية العمل بمالهم والتّصرف فيه، كَسْبًا وإنفاقا، وعَدمُ مُطالَبَتِهِ بعد هذا إلا بحقّ الزكاة، التي هي رُكن عظيم مِن أركان الدين الإسلامي. وعلى ضوْءِ هذه المحاسن؛ فالأمة الإسلامية مُرَشّحَة بمُوجبِ آية “الإخراج”[5] للرّقابة “الـخُلُقية على الضّمير العالمي، والقَوامة الرّوحية على التّراث الإنساني”[6]، صيانةً للقِيَمِ والـمُثُل التي جاء بها الدّينُ مِن الاستبدالِ والتّحريفِ والتّزييفِ والابتِذال.
إشكالية الرق.. التّاريخ والمعالجة الدينية
يؤطِّر الأستاذ كنون الجانبَ التاريخي لإشكالية الرق، مِن أزمنة ما قبل سيدنا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. فمرحلة المصريين القدامى مع الكُهّان والفراعنة والأعوان والفُرس والهند والرومان واليونان حيثُ كان هنالكَ “نوع من الاسترقاق يُمارَس في اليونان وسَرى إلى الرومان وبعض بلاد أوروبا في القرون الوُسطى، وهو استِرقاق الـمَـدَين إذا عَجَز عن أداء دَيْنه، وبَلَغت فائدة الدّين قَدْر أصْلِه فيُحكَم للدائم باستِرْقاقِه، وكذلك الـمُجرِمون والثُّوّار كانوا يُـسْـتَـرَقُّونَ للدولة، وأما المُلحِدون في الدين فكانوا يُستَرَقّون للمعابِد”[7]، وصُولاً إلى مرحلة الغرب المعاصِر وعصْر الثورة الفرنسية 1789م، متعقِّباً كيفَ ظَلّت ممارساته حاضرة في التّجربة الغربية لما بَعد القرن التاسع عشر بسنوات، وصولاً لمظاهر العبودية والصِّدامات العنصرية في أمريكا بين السّكان الدّخلاء والزّنوج. ويُعرّج على مظاهر سعْي السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1790) في تَحرير أسرى المسلمين العُثمانيين والجزائريين والمغارِبة من أيدي النصارى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ويَذكُر أخيراً الرّق الجماعي عن “طريق القَهْر والغَلَبة، وهو ما سُمِّيَ في العصر الحديث بالاستعمار”.[8]
في مقابل السردية التاريخية لهذه الإشكالية فيما بين العالمين الإسلامي والغربي، يُبْرِزُ العلّامةكنّون تَشَوُّفَ الشّارع الحكيم للحُرية من خلال نماذج عديدة. منها؛ عِتْق الأمَة إذا وَلَدَت لِسَيِّدها – عِتْق الرجل عَبْدَه وخادمَه – تحرير أسرى الحرب – عِتْق رَقبة – اعتبارُ العَبْدِ أو الخادِم فَتى أو فتاة لَدى صاحبها وعَدم جوازِ المناداة عليهما بالعَبْد أو الأمَة كما أوصى نبي الإسلام. إلى غيرها من هادِيات الإسلام في تدبير وإنهاء هذه الإشكالية العويصة.
قضيتا المرأة والاقتصاد الإسلامي
عَدّ الأستاذ كنّون الإسلامَ أعظَم دعوة “إصْلاحية لفائدة المرأة تَـمَخّضَ عنها التاريخ”[9]. رَفَعَ قدْرَها، وعَزّز شأنها، وأشرَكها في الحياة العامة، وحَصّنها مِن ظُلم مَن حولها، وكَفَل لها أنْصِبَتها من الميراث، ودعا إلى إكرامها وتَمَثُّلِ صنائع المعروف معها، أُمًّا، وزوجاً، وبنتاً، وطالِبةً، وموظّفةً، وحَضّ على إنصافها في المعاملات والبيوع وأْوجُه كَسْبها الاقتصادي إلى جانِب الرجل.
ويَرَى أنَّ الشريعةَ أعطَت أهمية خاصة للاقتصاد، وأحاطَتْهُ بِسِمَات وخصائص وقوانين “جَعَلت منه نظاما قائما بذاته، مُتَميِّزا بِسِمَاتٍ تَـــتَّــفِـقُ ورُوح العَدل والإنصاف ورعاية المصلحة العامة”[10]، فَمَنَع الشارعُ الحكيم المعاملات الرِّبوية، ونَهى عن الاحتكار الفردي والجماعي، وشَنّع بالمُضرّين بالمستهلِك، وحَرّمَ التّطفيف[11] والغِشّ والغَرَر في المعاملات المالية والتجارية، ودَعا لحماية الملْكِية الفردية سواءٌ أكانت مالاً أو عقارا أو أرضا فلاحية أو تعاونية من نوع ما، وأوْلى كبير العناية للمَال ورفَعَه لدرجة المقاصِد الكُبرى مِن التشريع الإسلامي.
فالنِّظام الإسلاميُّ في المسألة الاقتصادية يتّسِم بالرحمة والعَطْف والرّفق، ويَنْتَصِبُ مُقاوِما مَظاهر الاستغلالِ والاستِئثارِ الجشِع، وينهى عن ظُلْم الـمُعْسِر والـمُحتاج والـمُضْطَرّ، ويُقارِب العلاقات الاقتصادية والمالية بين الناس مُقارَبة إنسانية تَحولُ دونَ وُقوعِ التّسخير في حقّ الضّعيف مِن لَدن القوي “الـمُعتَدّ بماله وأعوانه”،[12] كما هو الحال مع الرأسمالية الربوية المعاصرة.
عن نظام الـحكم في الإسلام
يَعْتَبِرُ الأستاذ كنّون أنّ العطاء الثّر على مُستوى نِظام الحياة، والـحُكم الذي أفاض به الإسلام على أمة الإسلام ومِن ثَم على العالَم بإمكانه -حالَ تعميمهَ ونَشْرِ نموذَجِهِ– أنْ “يَقضِيَ على ما يَتَخَبّطُ فيه البَشَر من ظُلْم وظَلام”[13]، فهو نظام يَنفي الثّيوقراطية أو ما يُسمّى بالحقّ الإلهي، ويَحْفَظُ مصالحَ الناس، ويَضمن حُرياتهم واختلاف مذهبيتهم، ويجعلَ الدّولةَ الحاكمةَ “شَرْعيةً”، أي “حاكمةً بالشّرع الذي جاء به الرسول مِن عند الله عَزّ وجَلّ”[14]، وساعيةً في تطبيق العدل بين الجميع، والحاكم فيها مسؤول مسؤولية عمومية وشرعية وقانونية وسياسية.
ختاماً
إنَّ هذا الدينَ، دينُ هدايةٍ وسِلْمٍ وعلمٍ، أَهْلُهُ ومُعتنَقوه دُعاة سَلَامٍ ووئام، إلّا على مَن عاداهم، فإنهم يُعامِلونه وِفْق مُقضى ما شرَّع الله ورسوله. وهو كذلكَ دينُ رحمة وعدل، ودين كرامة للإنسانية باختلاف ألْسِنَتِها وألْوانِها ومذاهبِها. ودين اقتصادٍ تَضَامُنِـيٍّ عادِلٍ لا ضَرَرَ فيه ولا ضِرار، ولا استغلال ولا تَسَيُّبَ ولا احتِكار. ودينُ إنصافِ الضّعِيفِ وذي الحاجةِ، ودينُ إعزاز المرأة وتحرير الـمُستَضعفين والأرِقّاء، والدّولة في هذا الدِّينِ وبِنَاءً على تصوّراته؛ دَوْلَةٌ إنسانيةٌ مَدنيةٌ.
المراجع
[1] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية، 1984.[2] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 05.
[3] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 9.
[4] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 16.
[5] قال تعالى: {كُنتم خيرَ أمّة أُخرِجَت للناس}، سورة آل عمران، الآية: 110.
[6] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 27.
[7] نقْلا عن "مُعجَم لاروس"، ص: 33.
[8] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 37.
[9] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 82.
[10] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 84.
[11] يضم القرآن الكريم سورة خاصة بنَقْد ظاهرة التّطفيف، هي سورة "المطفّفين". قال تعالى: {ويْلٌ للمطفّفين، الذين إذا اكتَالوا على الناس يَستَـوفون، وإذا كالوهُم أو وَزَنوهم يُخسِرون، ألا يَـظنّ أولئك أنهم مَـبعوثون، ليومٍ عظيم، يومَ يقوم الناس لربِّ العالمي}، الآيات: 1 – 6.
[12] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 98.
[13] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 105.
[14] (كنون) عبد الله: "الإسلام أهْـدى"، مرجع سابق، ص: 109.