توطئة

تتمحور التربية السلوكية عند الشيخ ماء العينين (1831-1910م) حول تهذيب النفس عبر الجمع بين التزكية الروحية والأخذ بالأسباب الدنيوية. مرتكزة على التدرج في تربية المريدين، ومراعاة الفروق الفردية، ونبذ الاعتزال للإنتاج الاجتماعي، وذلك في إطار صوفي توفيقي يزاوج بين “الشكر والرياضة” ويهدف للنقاء النفسي، وتنمية محبة الخلق، والعفو والصفح.

وتتجلى أبرز معالم التربية السلوكية في مسيرة الشيخ ماء العينين، في اعتماد منهج التدرج، تفريد التربية، الجمع بين التربية والإنتاج (الصوفية العملية)، التوفيق والتوحيد، التركيز على محاسن الأخلاق، وتطبيق المنهج عبر “الرياضة والتربية”. لقد كان الشيخ ماء العينين نموذجاً للجمع بين التبحر في العلوم الشرعية والزهد مع اليسر (الإنتاج)، مما جعل من تجربته مدرسة متكاملة لتربية النفوس.

ويعد كتاب الدكتور عبد الهادي السبيوي، خطوة نحو التعريف بمسار عالم خبر التصوف، وأبرز مسالكه للسالكين، من خلال كتابه “نعت البدايات وتوصيف النهايات” الذي يندرج ضمن التراث الصوفي، وقدرة صاحبه على تآخي الطرق الصوفية، التي نظر لها الشيخ ماء العينين في كتابه “إني مخاوي لجميع الطرق” وطبقها في حياته. حيث تبث تلقينه للكثير من أوراد الطرق الصوفية التي كان متبحرا فيها، ولم يكن متعصبا لطريقته المعنية ولا لطريقة بعينها… (انظر تقديم مولاي إسماعيل بصير، ص: 7\8)

مضامين الكتاب

كتاب (معالم التربية السلوكية في تجربة الشيخ مصطفى ماء العينين الصوفية الصحراوية من خلال تحقيق ودراسة كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات”) للدكتور عبد الهادي السبيوي، في الأصل هو أطروحة جامعية تقدم بها الباحث لنيل شهادة الدكتوراه في شعبة اللغة العربية وآدابها، بوحدة تحقيق وتوثيق التراث المغربي المخطوط والشفهي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، جامعة الحسن الثاني المحمدية. ويقع الكتاب في 848 صفحة، وصدر عن سلسلة مطبوعات زاوية الشيخ سيدي إبراهيم بصير، الناشر الطريقة البصيرية، طبع بدار أبي رقراق للطباعة والنشر- الرباط.

إن التصوف رياضة للنفس ومجاهدة ضد رغباتها، وتصفية للقلب من أدران المادة وشوائب الحس، وهو ذوق ووجد وفناء عن الآتية، وبقاء بالذات العلية؛ والمتأمل في حياة العارفين من رجال التربية الصوفية، يلاحظ أنها تنطوي على معنيين رئيسين: أحدهما تربوي عملي سلوكي، يتمثل فيه ما يأخذ به السالك طريق التصوف نفسه من ألوان الرياضات، وضروب المجاهدات. وثانيهما ذوقي روحي، هو الذي يحصل في النفس ثمرة لرياضاتها ومجاهداتها، فإذا هي تصفو شيئا فشيئا، وتخلص من شوائبها رويدا رويدا، وإذا هي تستحيل في آخر الأمر إلى روح نقية صافية كما كانت قبل أن تهبط من عالم الصفاء الإلهي إلى عالم الكدر الدنيوي.

والحياة فى نهاية السلوك الصوفي بعد الوصول إلى القرب من الله تعالى تصبح لذة عظيمة عند الصوفية أصحاب البصائر. لأنها تحصل نتيجة قراءة هادئة ممتعة لسطور الحكمة الأزلية في كتاب النفس البشرية، التي يرتقى المريد فى مقاماتها، فيزج بروحه في عالم الأنوار الربانية. وهي خبرة صوفية ذاتية حاول شيخ السمارة وقطبها الصوفي العارف بالله أبي عبد الله محمد مصطفى ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل بن مامين الحسيني الإدريسي (تـ. 1328هـ/1910م)، أن يقربنا من مسالكها ومنعرجات طريقها؛ بما اكتسبه من مؤهلات تربوية عبر سفره الروحي بعد أن قطع مراحل الطريق من نعت بدايته إلى وصف نهايته متحملا أهواله، فانيا نفسه حيا وعبادة وإخلاصا لله بالقول والعمل، مطلقا زينة الحياة الدنيا بشهواتها وملذاتها داعيا ذاكرا ربه بالغذاة والعشي والإبكار يريد وجهه. فكان من ثمرة هذه التجربة الروحية كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات”، الذي حاول الدكتور عبد الهادي السبيوي من خلاله التعرف على مراحل الطريق السلوكي إلى الله تعالى، عبر بوابة آداب المريد مع شيخه، وآدابه مع ربه وآدابه مع إخوانه وآداب الشيخ مع ربه ومع تلامذته ومريديه، وبقية الناس أجمعين. (انظر مقدمة المؤلف، ص: 15\16)

لقد صنف الشيخ ماء العينين كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات” ليقارب التجربة الصوفية من زاوية التربية السلوكية للمريد من قبل شيخه المرشد له، إلى ما يحسن التحلي به من صفات خلقية ترتقي بالسالك إلى الصورة المثلى، وتسمو به إلى النموذج الذي تعمل نظرية الإنسان الكامل على تحديد معالمه وملامحه. منبها إلى الجوانب السلبية التي شابت التصوف وانحرفت به عن الجادة، فدعا إلى تخلي المريد عنها، وتجنب كل سلوك ينافي تعاليم الكتاب والسنة.

ويهدف المؤلف من خلال هذا العمل باختياره لكتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات” للشيخ ماء العينين موضوعا له تحقيقا ودراسة  إلى الإسهام ولو بجزء يسير في استعادة الهوية الروحية المغربية التي وقف الشيخ ماء العينين حياته للدفاع عنها. وهو بذلك يفيد في رفع المسافة بيننا وبين جزء من تراثنا المعرفي التربوي السلوكي. كما يتغيى خلق نوع من التواصل بين شمال المغرب وجنوبه، كما عكستها كتابات الشيخ ماء العينين ومصنفاته المتعددة المجالات وفنون القول، وخاصة في جانبها الصوفي السلوكي. ذلك وأننا في حاجة ماسة اليوم إلى جمع وتحقيق وبحث ما خلفته لنا هذه الحركة الصوفية المعينية من تراث شفهي ومكتوب ساهم في إعادة تشكيل ملامح الحياة الصحراوية المغربية، في مجالاتها المختلفة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية؛ فأمست الصحراء المغربية بفضل هذه التجربة التربوية منبعا للتصوف ومصدرا لتعاليمه وآدابه بفضل إنتاجها الصوفي الغزير الذي أصل لهذه التجربة. (مقدمة المؤلف، ص: 18)

اجتهد المؤلف في وضع خطة منهجية لتحقيق ودراسة هذا الكتاب وفق ركائز منهجية علمية ودقيقة، فقسم المؤلف مبحثه إلى قسمين:

  • القسم الأول: وهو عبارة عن دراسة للإطار العام الذي أُلف فيه كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات”، والظروف التي عاش في كنفها الشيخ ماء العينين، وأهم القضايا السلوكية التي ناقشها المؤلف فيه. وجاءت هذه الدراسة في بابين وخاتمة.

تحدث في الباب الأول عن حياة الشيخ ماء العينين وعصره من خلال فصلين، عرض في الفصل الأول منهما الملامح الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية. وخصص الفصل الثاني للحديث عن سيرة الشيخ ماء العينين من حيث نسبه ومؤلفاته ودراسته، ورحلته الحجازية والدور العلمي والتربوي لزاويته وتلاميذه ودفاعه عن وحدة الوطن الترابية وعلاقته المتميزة بملوك الدولة العلوية الشريفة.

وتناول في الباب الثاني: معالم التربية السلوكية في كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات” من خلال ثلاثة فصول، وافتتحه بتمهيد موجز عن المؤلفات الصوفية التي سبقت تأليف الكتاب موضوع التحقيق والدراسة .وحلل في الفصل الأول القضايا المطروحة في الكتاب، وجاء في ستة مباحث، خصص المبحث الأول منها للحديث عن آداب المريد في صحبة شيخه وناقش فيه مدى مشروعية اتخاذ الشيخ في التربية الصوفية، مستقرئا رأي الشيخ ماء العينين في مختلف مؤلفاته، مقارنا لها بآراء علماء التصوف، ليستنتج الإجماع على ضرورة صحبة شيخ التربية في السلوك إلى الله تعالى. وأفرد المبحث الثاني لآداب المريد مع الله سبحانه وتعالى، والتي لخصها الشيخ ماء العينين في مجموعة من الآداب والشروط، منها: النية، والمجاهدة، والعزلة، والحرص على الحفاظ على الورد اليومي من تلاوة للقرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله تعالى، والصلاة على النبي (ص)، والمحافظة على كل أنواع الطاعات من واجبات ونوافل، تحقيقا لمبداً التخلية قبل التحلية. وتطرق في المبحث الثالث لآداب المريد مع غيره من المريدين والتي تتلخص في مبدأ المؤاخاة، مستعرضا أصالة هذا المبدأ ودوره في توحيد الطرق الصوفية. وتناول في المبحث الرابع أهمية الذكر ودوره في تزكية نفس المريد، مستعرضا أقسام النفس البشرية، والتي ناقشها الشيخ ماء العينين بشكل مستفيض مبينا مواصفات كل نفس على حدة سالكا منهج التدرج في الارتقاء بين المقامات النفسية حتى يصل المريد إلى درجة الاطمئنان والاستقرار النفسي الذي لن يتحقق حسب الشيخ ماء العينين إلا بالإكثار من ذكر الله تعالى. وتحدث في المبحث الخامس عن شروط وآداب الشيخ المرشد وما يشترط فيه من آداب مع الله سبحانه وتعالى، ومع مريديه وبقية الخلق أجمعين. واستعرض في المبحث السادس والأخير الزاد الروحي للشيخ المربي متمثلا في ما أجمعت عليه الأمة من تعاليم القرآن الكريم، وأحاديث البشير النذير، وما نطقت به أقواه العلماء العاملين المشهود لهم بالعدالة والاستقامة في الحث على الإكثار من ذكر الله تعالى بمختلف الطرق والوسائل المشروعة والحرص على أداء الطاعات من فرائض ونوافل ومستحبات في وسطية واعتدال.

وعمد في الفصل الثاني إلى تتبع واستقراء مصادر الشيخ ماء العينين في مصنفه، وهي أساسا: القرآن الكريم، السنة النبوية الشريفة، كتب التفسير، أقوال العلماء وحكمهم، الرسائل والأشعار.

وخصص الفصل الثالث لاستعراض منهج وأسلوب الشيخ ماء العينين في الكتاب، الذي غلب عليه الضبط للمفاهيم، والدقة والموضوعية والمنهجية في مناقشة مختلف قضايا التربية السلوكية بأسلوب سهل ممتنع.

وأنهى هذا القسم بخاتمة سجل فيها ما توصل إليه البحث من نتائج واستنتاجات وما يفتحه من آفاق علمية للباحثين في التصوف في شقه التربوي والسلوكي.

  • القسم الثاني: وهو تحقيق كتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات”.

خاتمة

الكتاب مساهمة في متابعة مسيرة الباحثين الذين عبدوا للمؤلف طريق البحث في تراث الأقاليم المغربية الجنوبية عامة، والتراث الصوفي خاصة، الذين أزالوا ركام النسيان عن هذا التراث الصوفي الصحراوي، ودوره في إثراء الدراسات الصوفية التربوية السلوكية. وأثاروا الانتباه إلى قطب من أقطاب التربية والمشيخة من أعلامنا الأجلاء الذين ترمز حياتهم الفكرية والتربوية وجهادهم الدؤوب إلى وحدة كيان المملكة المغربية في أبعادها الثقافية والفكرية والحضارية والسياسية وهو الشيخ محمد مصطفى ماء العينين رحمه الله.

ولا يدعي المؤلف أنه أحاط بجميع جوانب هذا الموضوع الشائك، أو أفاض فيه الحديث، نظرا لما يعترض السالك المبتدئ في طريق القوم من صعوبات وعوائق.

والكتاب “نعت البدايات وتوصيف النهايات” موضوع التحقيق والدارسة،  حجة في التربية السلوكية، يقوم منهجه التربوي على المحبة والإخاء والوحدة بين جميع فئات المجتمع. وبهذا يعتبر الباحث تحقيقه ودراسته ومناقشة قضاياه من شأنه أن يضيف لبنة إلى صرح البحوث الصوفية التي سبقته والتي تتغيى تأسيس منظومة فكرية وعلمية وتربوية، قوامها الارتقاء بالإنسان شيخا أو مريدا أو غيرهما، ذاتا وكيانا، بصرا وبصيرة، جسما وعقلا، روحا ومادة انطلاقا من روح الإسلام في كليته وشموليته.