المحتويات
توطئة
شكلت منطقة دمنات الواقعة في قلب الأطلس الكبير بالمغرب نموذجا فريدا للتفاعل بين الإنسان والمجال على مر العصور، اعتبارا لموقعها الاستراتيجي كنقطة عبور تجارية بين جنوب المغرب وعواصمه التقليدية ممثلة في مراكش وفاس ومكناس عبر بوسكروة؛ وذلك قبل إحداث ممر “تزي ن تيشكا”. حيث كانت تمر منها القوافل التجارية، مما أهلها لأن تكون فضاء للتعايش البشري بمختلف أجناسه أمازيغ وعرب ويهود إلى حد التمازج بين اللغة واللباس والعادات، وهو ما ساهم في ازدهار أسواقها.
وقد حظيت منطقة دمنات باهتمام كبير من لدن الدول المتعاقبة على حكم المغرب؛ الأدارسة والمرابطون والموحدون والسعديون والعلويون. وتوجهت عناية السلاطين والملوك لبسط نفوذها عليها وضبطها لضمان الاستفادة من خبراتها ومقوماتها وإمكاناتها المجالية والطبيعية والبشرية.
واعتبارا لهذه المقومات والإمكانات المجالية، فإن منطقة دمنات استأثرت باهتمام سلطات الاحتلال الأجنبي بعد سيطرتها على مدينة مراكش سنة 1912، اعتبارا لموقعها الإستراتيجي من جانب، ومن جانب ثاني جراء اتخاذها من لدن المجاهدين مركزا لهم، مما جعل المنطقة تشكل إحدى البؤر المثيرة لقلق المستعمر. (تقديم الكتاب، ص: 13)
كما يشكل الأطلس الكبير الأوسط مجالا خصبا وغنيا بما يزخر من تنوع طبيعي وجغرافي وما يحتوي عليه من موروث ثقافي فنی ومعماري. ذلك أن المجال والبيئة والموروث الثقافي المادي وغير المادي في مدينة دمنات ونواحيها؛ “آيت تمليل، قرية مكذاز…” المتربعة على قمة الجبل بعمق الأطلس الكبير، حافلة بتاريخ المقاومة الوطنية والشعبية التي قادتها القبائل خلال فترة الاستعمار الفرنسي، من خلال أهم الأحداث والشخصيات، وكذا عبر ما تراكم من الموروث الثقافي الذي سجل تلك الأحداث.
من هنا يأتي انخراط الباحثين والباحثات في مجال التاريخ والجغرافيا والآداب والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والثقافة، في رسم معالم هذا الكتاب الذي يشكل إضافة هامة للرصيد الوثائقي والمعرفي عن المنطقة. (تصدير الكتاب، ص: 17)
ووعيا من المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بأهمية وتوثيق فصول الكتاب وإماطة اللثام عن مكنون دقائق أحداثه، والبحث والتنقيب في التاريخ الجهوي والمناطقي ومنه تاريخ جهة بني ملال – خنيفرة. وبالنظر لما يقتضيه التاريخ الجهوي من مقاربة مجهرية ونوعية باعتباره واجهة جديدة في البحث التاريخي أثبتت نجاعتها في بناء صرح المعرفة التاريخية وتأصيل ماهيتها والإحاطة بمختلف قضاياها النظرية والمقارباتية والمنهجية ودقائق تفاصيلها، فقد سعت إلى احتضان طبع ونشر هذا المشروع الفكري الأكاديمي الجماعي الرصين والموسوم بـ”دمنات.. التاريخ والمجال والمقاومة”. (تقديم الكتاب، ص: 14\15)
مضامين الكتاب
فيما يقرب من 382 صفحة من القطع الكبير، صدر كتاب “دمنات.. التاريخ والمجال والمقاومة” ضاما أشغال الملتقى الثامن عشر لمختبر السرديات، المنظم بشراكة جمعت كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية ومختبر اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بسطات.
الكتاب الذي أشرف عليه وحرره شعيب حليفي، بتنسيق عام من إبراهيم أزوغ وسالم القائدة، تجمع دفّتاه 22 ورقة حول الأطلس الكبير الأوسط تاريخا ومجالا ومقاومة، والموروث المادي واللامادي للثقافة والتراث بدمنات، والشعر النسائي الأمازيغي بالأطلس الكبير، خاصة مريريدة نايت عتيق وأشعار بوكافر.
وجمعت اللجنة العلمية للعمل كلا من: عبد القادر سبيل، محمد الوهابي، أحمد الوارث، عائشة المعطي، فيصل الشرايبي، جمال بندحمان. وشارك فيه: سعيد كمتي، رشيد شحمي، ابورك يونس، أحمد منوار، أحمد عمالك، أنس بن اشو، محمد العلوي، طارق الهامل، نعيم الخرازي، محمد جليد عبد الكريم جلال، بوشراء عقاوي، محمد أبحير، محمد رفيق، مصطفى كوندي، عبد الحكيم السمراني، عائشة المعطي، محمد البكاري، حسن افركان، للاصفية العمراني، يونس لشهب، الحسين السيمور، ورشيد أبلال.
يضم هذا العمل الأكاديمي بين دفتيه مساهمات في تخصصات متعددة لباحثين وأكاديميين متنوعي المشارب، مقدما رؤية شاملة ومتكاملة ومندمجة لتاريخ المنطقة وتطورها عبر العصور. وذلك لتسليط الأضواء الكاشفة على منطقة تمتاز بخصوصيات تاريخية وجغرافية واجتماعية فريدة. جعلت منها نموذجا متميزا في التفاعل بين الإنسان والمجال لصنع تاريخها الحافل بالمحطات المفصلية والمهيئة لما سيأتي بعدها من أحداث تاريخية.
يحتوي هذا الكتاب الجماعي، الذي خضع للتحكيم من قبل لجنة علمية متخصصة، على 21 مداخلة توزعت على ثلاثة محاور، تُعتبر بحق لبنة أخرى تنضاف إلى ما تم إنجازه في مشروع كتابة تاريخ جهة بني ملال-خنيفرة، وذلك من خلال محاور البحث والتفكير التالية:
- المحور الأول: الأطلس الكبير الأوسط: التاريخ والمجال والمقاومة؛
- المحور الثاني : الثقافة والتراث الموروث المادي واللامادي؛
- المحور الثالث: الشعر النسائي الأمازيغي بالأطلس الكبير: مريريدة نايت اعتيق وأشعار معركة بوكافر.
وقد ضم المحور الأول: “الأطلس الكبير الأوسط: التاريخ المجال المقاومة” عشر مقالات وهي: “دمنات: العمق التاريخي والمقومات التراثية: التراث مدخل للتنمية المحلية وإعادة الاعتبار” لـ ذ. سعيد كمتي. “دينامية المجال القبلي في دمنات ما بين القرن 10 ونهاية القرن م16” لـ ذ. رشيد شحمي. “جوانب من التاريخ الاجتماعي والسياسي ليهود دمنات خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1880)-(1900) لـ ذ. يونس ابورك. “تمثلاث الساكنة المحلية للمشهد الحضري لمدينة دمنات” لـ ذ. أحمد منوار. “تقديم الرحلة الحجازية لمحمد بن أحمد الغجدامي مستخرجة من كتاب (التسلّي عن الآفات بذكر الأحوال وما فات)” لـ ذ: أحمد عمالك .”سرديات الرحلة العلمية إلى دمنات ونواحيها للعلامة محمد الغجدامي من خلال كتابه (التسلي من الآفات بذكر الأحوال وما فات)” لـ ذ. أنس بن اشو. “تاريخ وحضارة دمنات العريقة ومساهمتها في مقاومة الاستعمار الفرنسي” لـ ذ محمد العلوي. “إضاءات حول تاريخ مدينة دمنات وبعض أعلامها من خلال (معلمة المغرب)” لـ ذ. طارق الهامل. “أدوار محمد الفقيه البصري في الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير” لـ ذ. نعيم الخرازي. “مركز “تكني” مبادرة غير حكومية في وادي تساوت: تقرير في بحث ماستر ” لـ ذ. محمد جليد.
أما المحور الثاني: “الثقافة والتراث: الموروث المادي واللامادي”، فقد ضم سبع مقالات وهي: “التراث المادي واللامادي المخازن الجماعية بدوار مكداز/إقليم أزيلال” لـ ذ. عبد الكريم جلال و ذة. بوشراء عقاوي. “الأدب الشفوي في منطقة دمنات أنواعه وقضاياه” لـ ذ . محمد أبحير. “الأمثال الشعبية الأمازيغية بأطلس آيت سخمان/ شكل سردي قصير عبوري للبنية الزمانية وتراث رمزي يرسخ أبعادا اجتماعية واقتصادية وقيما أخلاقية” لـ ذ. محمد رفيق. “المدارس العتيقة بدمنات وأحوازها قبل وبعد الاستقلال: «المدرسة العتيقة لمسجد أرحبي والمدرسة العتيقة لتيزي نوباد نموذجا” لـ ذ. مصطفى كوندي. تاريخ الخزائن والمكتبات التادلية الخاصة” لـ ذ. عبد الحكيم السمراني. “قراءة في كتاب القول الجامع في تاريخ دمنات وما وقع فيها من الوقائع” لـ ذة. عائشة المعطي. Patrimoine architectural de la région d’Oueltana, province d’Azilal (Ma-roc): enjeux pratiques et symboliques; Pr.El Bakkari Mohamed & Pr.Benichou Anass
وتضمن المحور الثالث: “الشعر النسائي الأمازيغي بالأطلس الكبير: مربريدة نايت اعتيق وأشعار بوكافر”، خمس مقالات وهي: “هكذا تكلمت مربريدة قراءة في ديوان أغاني تساوت” لـ ذ. لحسن إفركان. “مختارات شعرية من ديوان بوكافر 1932 – 1933” لـ ذة. للاصفية العمراني. “قراءة في ديوان مريريدة نايت عتيق «أغاني تاساوت»” لـ ذ. يونس لشهب. “Colonial Encounters in Gendered Settings: Rewinding History, Debunking Amnesia and Revisiting a Moroccan Amazigh Courtesan, Mrīrīda n’ait ‘Atiq”; Pr.IHossain Simour. « MRIRIDA et Magdaz: Le Chant féminin Amazigh de l’esthétique à l’éthique »; Pr.Rachid ABLLAL
خلاصة
يُعتبر هذا الكتاب الجماعي إضافة نوعية للمكتبة الأكاديمية المغربية، من خلال تقدیمه دراسة معمقة لمنطقة دمنات. لامست جوانب متعددة ومواضيع متقاطعة من تاريخ دمنات في تجلياته التأريخية والمجالية والتراثية ويفتح المجال أمام دراسات مستقبلية في مجالات وتيمات مستجدة. ولعل ما يميز هذا السفر التوثيقي، هو جمعه بين التوثيق التاريخي والتحليل المجالي والدراسة الاجتماعية. الأمر الذي يجعله مرجعا لا محيد عنه للباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة وتطورها؛ ومحفزا لفسح المجال لطرح تساؤلات وبسط إشكالات تلهم الباحثين وتستهوي الأكاديميين من مختلف التخصصات، علاوة على علاوة على مساهمته في حفظ الذاكرة التاريخية المحلية وتوثيقها بمنهجية علمية رصينة وأدوات بحثية وأكاديمية مبتكرة.