توطئة

يتأسس تجديد منهج فهم الخطاب القرآني عند رشيد رضا، والطاهر بن عاشور، والمكي الناصري، حول العودة إلى النص الأصلي، وتخليصه من الشوائب، وتطبيقه على الواقع المعاصر، مع التركيز على مقاصد الشريعة، وتأكيد دور اللغة والتفسير الموضوعي. حيث قدم رشيد رضا منهجاً تجديدياً في “تفسير المنار” خطاب إرشادي وعظي. بينما تميز ابن عاشور في “التحرير والتنوير” باعتماد على اللغة والمقاصد والمأثور. واهتم الناصري -تلميذ ابن عاشور- بالتنزيل والتحرير. كل منهم يقدم رؤية متكاملة لفهم القرآن وتنزيله بما يناسب تحديات العصر.

ويتمحور موضوع كتاب “تجديد منهج فهم الخطاب القرآني عند رشيد رضا والطاهر ابن عاشور والمكي الناصري؛ دراسة في التجليات والاستثمار والتنزيل” للدكتور محمد الطاهر الوافي، حول تجديد منهج فهم الخطاب القرآني عند ثلاثة مفسرين محدثين، في مسعى لبسط رؤيتهم وفكرتهم لتجديد منهج فهم الخطاب القرآني. وبيان مدى إمكان استثمار تجربة كل واحد منهم على مستوى التصور والتشخيص والمعالجة، وعلى مستوى فهم النص، وأيضا على مستوى التنزيل، وما يرتبط بذلك مما وظفوه في عملية التفسير استهدافا لتجديد فهم الخطاب القرآني فهما ينضبط بالقواعد والضوابط المرعية، مع توسيع دائرة فهم كتاب الله فهما يتناسب مع رسالة القرآن في الوقت الراهن، وما يشهده واقع الأمة وما تعرفه ظروفها من حيث النهوض المقصود والرقي المنشود، ومن حيث إصلاح الشأن وتجديد الأحوال وأمر الدين لتعود الأمة إلى القيام بمهمتها، وما تضطلع به مما أنيط بها، من واجب الدعوة والنصح والإرشاد، وهداية الإنسان إلى ما فيه سعادته العاجلة والآجلة. والكتاب في أصله أطروحة دكتوراه، ويقع في  642 صفحة، ونشرته مكتبة دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط.

مضمون الكتاب

اهتمت الأطروحة بتتبع واستقراء أهم مجالات منهج التجديد عند هؤلاء المحمدين ومستوياته وتجلياته، والبحث في إمكان استثمار تجربتهم المتكاملة فيما بينها في استهداف تحيين منهج تفسير القرآن الكريم لتحسين المردودية، بتجلية المضامين وتقريب الفوائد إن على مستوى فهم النص أو على مستوى التنزيل.

إن تجربة المنار فتحت المجال للأنظار، وهو ما جعل علامة عصره الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، يسهم بحظ وافر في إنضاجها، ويعطيها من رصيده العلمي الواسع، ومنهجه التنظيري والتطبيقي البارع، ما أبان عن ترقيتها، وتجديد منهج فهم كتاب الله في ضوء المقاصد التى جاء من أجلها. فدعا إلى جعل مقاصد القرآن ومقاصد التشريع حقا على كل مفسر لكتاب الله، فضلا عن تحيين علوم القرآن والتفسير وعلوم اللسان، والدرس الأصولي، والتشريعي، وأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، التي جاء بها القرآن ودعا إلى الأخذ بها في حياة الإنسان. ومن ثم فإن هذا البحث لم يدخر وسعا فى الكشف عن تجربته وإبرازها وتقريبها للراغبين من طلابها.

وأما الشيخ محمد المكي الناصري فهو المفسر النموذجي المقتدر، البارع في تجلية معاني كتاب الله بأسلوب سهل ميسر بديع، مصطبغ بصبغة السهل الممتنع. فضلا عن النظرة العميقة لفهم كتاب الله في ضوء نظائره، والمأثور في تفسيره والمنتقى من كلام مفسره. مستعينا بتجربته الغنية في الحياة العلمية والاجتماعية والثقافة العصرية، التي يتكئ عليها في التنظير والتأصيل للعديد من القضايا التي جاءت بها العلوم الاجتماعية، وللقرآن فضل سبق ذكرها والعناية بها. كما أنه لا يغفل عن إبراز الجوانب الإصلاحية والمصلحية التي يدعو إليها كتاب الله ويأمر المسلمين بالأخذ بها.

وبذلك تعد هذه الأطروحة عملا علميا جادا فيما جعلته هدفها، وأسهمت بحظ وافر في إبراز مظاهر تجديد منهج فهم الخطاب القرآني لدى شخصيات علمية ثلاث، جمعت بينهم مائدة القرآن، واستفاد الناس من علمهم، وتنوع اهتماماتهم واختياراتهم العلمية والمنهجية، ومما أبداه كل منهم في تجديد عملية التفسير.

وأما دوافع اختيار المؤلف لهذا البحث واصطفاء نماذجه من المفسرين المعاصرين في مركز الدكتوراة بجامعة محمد الخامس بالرباط المتخصص فى “الإنسان والمجال في العالم المتوسطي”، فهي محاولة البحث عن خيط التجديد الرفيع، الذي يجمع بين ثلاثة علماء من العالم المتوسطي من جهة، وهم رشيد رضا، والطاهر بن عاشور، والمكي الناصري، والوقوف على ما بذله هؤلاء الأعلام من جهود معتبرة في تجديد أوصال علم التفسير، وجعله مواكبا للعصر، كل بحسب رؤيته لهذا التجديد ومقوماته.

وقد كانت رغبة الباحث الملحة أن يبرز جهود هؤلاء المفسرين الثلاثة في منهج فهم الخطاب القرآني، من خلال التعرف عليهم وعلى جهودهم، ومصاحبة كل منهم في تفسيره، والاستفادة من تجربته وعلمه، وإمعان النظر فيما اعتمدوه من الوسائل وما استهدفوه من المقاصد، وما حققوه من النتائج، مع البحث في إمكانية استثمار تجربتهم في هذا المجال استيعابا وتحصيلا وتحسينا ومعالجة، وما سعوا إليه من الرفع من مستوى مدارك فهم النص القرآني، الذي هو من صلب عموم تجديد الدين، بتجديد أدوات فهم نصوصه، وأنواع خطاباته، وأغراضه ومقاصده، وصولا إلى حسن تنزيله على واقع الحياة.

وهدف في هذه الأطروحة التي ما ادخر وسعا في إعدادها، وصرف الهمة في إتقانها، لعله يأتي فيها بما ينفع، مصداقا لقوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُمفاءٌ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ”؛ وذلك من خلال قراءة متأنية هادفة في مشروع كل واحد منهم في تجديد منهج الفهم في التفسير. (مقدمة الكتاب، ص: 7)

كما أن الباحث حرص، ما أمكن في هذا العمل العلمي الجامعي، أن يلتزم ما ينشده عنواناً وخطة وشكلا ومضمونا، من تجنب التكرار، والابتعاد عن التطاول والاجترارا. فسار في تناول هذا العمل وفق خطة دقيقة مرسومة، طالما خضعت الإمعان النظر والتعديل، حتى استقر مسارها، واتضح غرضها فجاءت كما هي واضحة في فهرس موضوعاتها.

يتنوع  المنهج في البحث حسب المضامين ما بين تاريخي، ووصفي، واستقرائي، وتحليلي، ونقدي. وأما النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فقد حرص على توثيقها والعمل على تطابقها مع الغرض الذي سيقت من أجله، وكذلك الآثار والمؤلفات والأعلام. فقد حرص على وضع تاريخ الوفاة أمام كل علم يذكره، ويعرف به ويحيل على مصادر ترجمته بحسب ما يسمح به المقام. (مقدمة الكتاب، ص: 9)

وقد جاء الكتاب بعد المقدمة في أربعة أبواب، الباب الأول عنونه بفهم الخطاب القرآني ومنهج تجديده، به ثلاثة فصول؛ الأول وسمه بفهم الخطاب القرآني،  والفصل الثاني: تجديد فهم الخطاب القرآني، والفصل الثالث: منهج فهم الخطاب القرآنى. وعنون الباب الثاني بتجديد منهج الخطاب القرآني من خلال تفسير المنار، تضمن أربعة فصول؛ الفصل الاول: الشيخ محمد رشيد رضا وتفسير المنار، والفصل الثاني: تجليات التجديد في تفسير المنار على مستوى التنظير، والفصل الثالث: تجليات التجديد في تفسير المنار على مستوى التطبيق، والفصل الرابع: إمكان استثمار تجربته. أما الباب الثالث فوضع له عنوان: تجديد منهج فهم الخطاب القرآني من خلال التحرير والتنوير، وتضمن بدوره أربعة فصول؛ الأول: التعريف بابن عاشور وبتفسيره، والثاني: تجليات التجديد عند الشيخ بن عاشور على مستوى التنظير، والفصل الثالث: تجليات التجديد على مستوى التطبيق عند ابن عاشور، والفصل الرابع: إمكان استثمار تجربة ابن عاشور. والباب الرابع عنونه بـ: تجديد منهج فهم الخطاب القرآني من خلال التيسير في أحاديث التفسير، وبه أربعة فصول؛ الفصل الأول: التعريف بالمكي الناصري وتفسيره، والفصل الثاني: التجديد على مستوى التنظير عند الناصري، والفصل الثالث: تجليات التجديد عند المكي الناصري على مستوى التطبيق. وصاغ في نهاية المبحث خاتمة للكتاب.

خاتمة

خلص المبحث بعد الجولة العلمية بحثا عن تجليات التجديد في منهج فهم الخطاب عند ثلاثة من كبار أعلام التفسير في الفترة المعاصرة للتقييم الإجمالي الختامي لجهودهم، والوقوف على القواسم المشتركة بينهم فيما راحوا تبييئه لأمتهم، وقصدوه من الإبقاء على حماية دينهم وملتهم، على الرغم من دواعي الاتفاق والاختلاف بينهم، وتميز جهد ومشروع كل واحد منهم.

فمنظور صاحب المنار يتجه صوب نهضة الأمة أخذت به الأمم الأخرى التي دخلت في عهد التحديث وجعلها تأخذ بما والتصنيع. ولا يختلف عنه في هذا المقصد صاحب التحرير والتنوير؛ إلا أنه استهدف في مشروعه الشامل المتكامل رد الاعتبار للثقافة العربية الإسلامية بكافة مكوناتها، وجعلها مسايرة المستجدات العصر، وتعزيزها بالعناية بالمقاصد القرآنية والشرعية، والبرهنة على أن رصيد الأمة العلمي والمعرفي واللغوي والتشريعي والتاريخي والحضاري والعمراني كاف لتأهيلها لأن تكون في مصاف الأمم الراقية.

وأما التميز عند الأستاذ محمد المكي الناصري فهو في الإشعار بأهمية القرآن في حياة المسلم، والسعي في وضع يده مطلع كل فجر على الكنوز التي أودعها الله في القرآن. وتذكيرهم بالرسالة الأصلية للقرآن، التي هي رسالة الحياة في كل يوم رسالة التوجيه الإلهي والتربية الربانية، التي يجب أن يتجلى أثرها الطيب والدائم في حياتهم اليومية، إن أرادوا السعادة الأبدية.

وعليه فإن تجربة هؤلاء الرواد الثلاثة فى مجال تجديد فهم الخطاب القرآني ستظل آثارها وأصداؤها العلمية والإصلاحية سارية المفعول، إن على مستوى التنظير أو التطبيق أو الاستثمار أو التنزيل.