المحتويات
توطئة
يعد المجتمع المدني أداة عصرية فاعلة لتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية، حيث تعمل مؤسساته الطوعية على حفظ الضروريات الخمس الدين، النفس، العقل، النسل، المال، وتعزيز القيم التكافلية، وتحقيق السلم المجتمعي، والعدل، والتربية على السلوك المدني. مما يجسد غايات الشريعة في عمارة الأرض وترسيخ المواطنة الصالحة، وتعزيز السلم المجتمعي باعتبار “السلم” فريضة شرعية ضرورية لحياة آمنة. كما أن المجتمع المدني يسهم في تحقيقه عبر نشر ثقافة الحوار والتسامح ونبذ العنف، مما يحقق المقاصد العليا في استقرار الأمة، وترسيخ قيم العدل والمساواة، والتكافل والتنمية، والتوعية والتربية، ونشر الوعي بالحقوق والواجبات والمواطنة الصالحة، ويؤسس للشراكة مع الدولة.
إن مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، تعد، امتداداً مقاصدياً للأوقاف والعمل الخيري في التاريخ الإسلامي، وتهدف إلى نفس الغايات الشرعية “المصالح المرسلة” بآليات وأساليب حديثة.
يقع كتاب “المجتمع المدني ومقاصد الشريعة؛ إشكاليات المرجعية والتنزيل”، لصاحبه محمد الحبيب الدكالي، في 256 صفحة، وصدر عن مركز المقاصد للدراسات والبحوث -سلسلة دراسات (2)، دار الكلمة للنشر والتوزيع سنة 2019م، والدار المغربية. وقدم له كل من الدكتور أحمد الريسوني، والدكتور جاسم سلطان.
مضامين الكتاب
لقد عرف مصطلح المجتمع المدني تعريفات تعددت بتعدد الرؤى والتصورات والاجتهادات الفكرية، وهو في النهاية نتاج فكر فلسفي وسياسي غربي انشغل طويلا بقضايا العلاقة بين الفرد المواطن والمجتمع والدولة، وما يستتبعها من تفريعات تتعلق بشؤون الحقوق وإدارة الحكم وتوزيع الثروة.
أما بالنسبة للمجتمع المدني العربي الحديث، فإنه بالرغم من الأحداث والسياقات المفصلية وتأثيرها، فإن بروزه “المجتمع المدني العربي”، وبشكل تدريجي، لا تنطبق عليه بالضرورة التعريفات والتصنيفات المتعارف عليها في الأدبيات السياسية الغربية، كما لو كانت مواصفات أو معايير أو نماذج (prototype) قابلة للتكرار بشكل آلي في بيئات مختلفة. (تمهيد الكاتب، ص: 9)
وكما كان لمفهوم المجتمع المدني ولا يزال في التاريخ والثقافة الغربية خصائصه وجدلياته الخاصة، فإن للمفهوم في السياقات التاريخية للوطن العربي خصائص وجدليات مغايرة. ويبقى موضوعا معقدا وحافلا بالالتباسات في فهم وتوصيف طبيعته وموقعه في خريطة المجتمع والدولة والمستقبل.
ويبقى الحديث عن المجتمع المدني العربي وموضوعه في صلب الأزمة الحضارية للأمة العربية والإسلامية، مما يفرض التساؤل حول قدراته على التعامل مع حالة الانسداد والوهن التي تعيق النهضة. (تمهيد الكتاب، ص: 11\12)
هذا الكتاب يندرج فيما سماه أحمد الريسوني “مقاصد الشريعة في طور التفعيل والتنزيل”. فبعد جهود متضافرة من التأصيل والتأهيل لعلم مقاصد الشريعة، منها القديم ومنها الحديث. وبعد اجتهادات وخطوات معاصرة حثيثة “نحو تفعيل مقاصد الشريعة” وتوسيع مداها وتكثير جناها، بدأ الاهتمام يتجه أكثر فأكثر نحو “فقه التنزيل”، أو “فقه الإنجاز”، كما سماه وعرفه الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه الرائد “فقه التدين فهما وتنزيلا”. (تقديم الريسوني، ص: 5\6)
تناول الأستاذ محمد الحبيب الدكالي في مؤلفه مقاصد الشريعة من حيث قيمتها المرجعية المعيارية الموجهة لحركية المجتمع المدني وأولوياته، ومن حيث متطلبات التنزيل وإشكالاته في علاقتها مع الواقع وتعقيداته، وهو ما اقتضى إلقاء نظرة ناقدة على الواقع السياسي المتخلف للمجتمعات العربية والإسلامية، وما يحتاجه من خلخلة وإصلاح… ثم ظهر أن هذا كله يتطلب تجديدا فكريا عميقا وجريئا، يقود عملية البناء والتفعيل للمجتمع المدني في عالمنا العربي والإسلامي، وذلك أن الإصلاح الحقيقي هو كل لا يتجزأ.
إن الكتاب يشكل نقلة نوعية في ثقافة تجديدية، تروم الربط المحكم بين العلم والعمل، والدمج السلس بين المدارسة والممارسة، وإعادة الانسجام التكاملي بين فقه الدين وفقه الواقع، وإحداث التصالح الخلاق بين الذاتية والعالمية. (تقديم الريسوني، ص: 6)
وقد اختار المؤلف مدخلا أصبح فعلا محط الأنظار والآمال؛ هو “المجتمع المدني ومقاصد الشريعة”، واختار له منطلقا أساسيا، هو معالجة إشكاليات المرجعية والتنزيل. وقام بطرح أسئلة مهمة على منظومات المجتمع المدني في الوطن العربي تحتاج إلى إجابات، خاصة بعد انفجار الثورات العربية، وأمام المسؤوليات الجسيمة الملقاة على كاهل الأمة للخروج من حالة الوهن الشامل، ومن أهمها: التساؤل عن كيفية استفادة المجتمع المدني العربي من رصيد التجربة المعرفية التاريخية التي راكمتها الأمة عبر مؤسسات مجتمعية مسنودة بتأصيل فقهي؟ وهل يمكن اعتبار الإرث الفقهي وتجارب المؤسسات المجتمعية في الحضارة الإسلامية، كافية لمواجهة التحديات حالا ومستقبلا؟ وهل الثقافة السائدة تؤهل منظومات المجتمع المدني للقيام بأدوارها التاريخية؟ ما موقع منظمات المجتمع المدني خاصة ذات الخلفية “الإسلامية” من مقررات الوحي الكبرى المتعلقة بمسؤوليات الأمة تجاه نفسها في الاستنهاض، وتجاه الإنسانية، والقدرة على بسط ثقافة إعمار الأرض، وبسط الشورى، والدفاع عن حقوق المستضعفين، وإشاعة روح التساكن المسالم مع الشعوب قاطبة؟ وما الأدوار في المساهمة النشطة لتحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي عبر بناء قدرات المجتمع وبسط الوعي؟ وما أدوار المنظمات في حركية الاجتهاد للتجديد، للمساهمة في إعادة صياغة الوعي بهذه القضايا وتعميقه في أوساط الأمة؟.
هذه الأسئلة هي التي تؤطر منهجية وموضوعات هذا الكتاب الذي يرمي إلى تلمس إجابات عنها تباعا، عبر محاولة تشخيصية عامة، حدد لها المؤلف بعد التمهيد والمقدمة خمسة فصول. عنون الفصل الأول بـ: الرؤية والوجهة نحو تشخيص عام، الفصل الثاني: العمل التطوعي في التجربتين الإسلامية والغربية، الفصل الثالث: أية مبادئ وقيم ومقاصد مرجعية للعمل المدني، الفصل الرابع: إشكاليات تنزيل المقاصد، والفصل الخامس: نحو الأهم والأولى والأدوم من المصالح.
في الفصل الأول تعرض لواقع منظمات المجتمع المدني في البلدان العربية من خلال معايير محددة. مع رفع الالتباس الحاصل حول نشأة وتطور المجتمع المدني العربي باستقراء السياقات التاريخية التي اكتنفت هذه النشأة لتصحيح القراءات التغريبية لهذا الموضوع. ثم محاولة تشخيص الخصائص العامة لمنظمات المجتمع المدني في الوطن العربي. وختم المؤلف هذا الفصل باستقراء نماذج من أوضاع الأمة حاليا في مجالات رئيسية تتعلق ببعض عناصر تخلفها المريع لتقريب صورة هذه الأوضاع إلى الأذهان ولتحديد مسؤوليات هذه المنظمات تجاهها.
وتناول الفصل الثاني رؤية عامة في خطوط عريضة لتجربة المؤسسات التطوعية المجتمعية في الحضارة الإسلامية وأهم خصائصها. ثم تجربة المنظمات غير الحكومية الغربية حديثا ومسارات تطور ثقافتها ومجالات عملها من باب المقارنة غير المباشرة.
وعرض الفصل الثالث لصلب موضوع الكتاب ويتعلق بقضية المرجعية الفكرية والثقافية لدى منظومات المجتمع المدني الإسلامية كإشكالية حقيقية حول تعريف وظائفها وأدوارها، أي خريطة القيم والمقاصد المفترضة بمراتبها العليا فما دونها لتكون حاكمة لهذه الأدوار والوظائف وفقا لمرجعية الوحي والسيرة السنة الثابتة. وتعرض هذا الفصل لمفهوم التطوع كمفهوم أساسي في الوحي وفي المنهجية الإسلامية، وكأساس للتجربة الحضارية الإسلامية. كما ألقى الضوء على قاعدة الضرورات الخمس مع التساؤل حول ما إذا كانت تشكل مرجعية معرفية مناسبة لوظائف وأدوار المجتمع المدني، مع ما تطرحه هذه القاعدة من تساؤلات حول كيفية مقاربتها على ضوء واقع الأمة ومشكلاتها الضخمة، وتساؤلات حول مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نفس السياقات الحالية.
وفي الفصل الرابع تطرقت هذه المحاولة البحثية إلى الإشكالية الثانية، وهي مسألة تنزيل المبادئ والقيم والمقاصد التي تشكل جوهر وظائف وأدوار منظومات المجتمع المدني الإسلامية وفقا للرؤية الأصيلة، وللأهمية الكبيرة المتعلقة بتجديد وبسط الوعي بهذه المبادئ والقيم والمقاصد أي حول مسؤوليات الأمة عامة وهذه المنظومات خاصة، حاليا ومستقبلا. وتطرق هذا الفصل، عبر تساؤلات نقدية محددة، لإشكالية التنزيل عبر محاولة تعيين المقاصد العليا الواجبة التحقيق، كما تراها ثلة من العلماء والمفكرين المعاصرين، ومجالات تطبيقاتها الإستراتيجية وفقا لواقع أوضاع الأمة.
وعرض هذا الفصل كذلك لمعضلة معرفية ومنهجية وثيقة الصلة بمسألة تنزيل القيم والمقاصد العليا فما دونها، وهي إشكالية العلاقة بين فقه الدين وفقه الواقع، ولمظاهر الانفصام الحاصل بينهما في وقتنا الراهن وعلاقته بمسألة التنزيل. واجتهد في بحث كيفيات التجسير بين الفقهين، واقتراح منهجيات وأدوات وآليات هذا التجسير الواجب لتنزيل المقاصد وتبيان أدوار منظومات المجتمع المدني في بلورة وصياغة هذه المنهجيات والأدوات والآليات. وينتهي هذا الفصل بالتنبيه إلى العوائق والمخاطر التي يتوقع أن تكتنف مثل هذه الجهود.
أما الفصل الأخير، فتطرق إلى مسألة كبيرة الأهمية تتعلق بمسألة تشخيص الأهم والأولى والأدوم من المقاصد والمصالح الواجبة التحقيق في جهود التنزيل، وأهمية هذه القاعدة في التراث الفقهي وعند المحدثين في إشارات. كما عرض لأمثلة عن مخاطر إغفال هذه القاعدة الأساسية من خلال بعض التجارب المعاصرة المنظمات خيرية إسلامية دولية، وبعض النماذج لحالات ناجحة في الأخذ بهذه القاعدة. كما تطرق بالمقابل، إلى بعض من تطبيقاتها لدى “الآخر” من واقع التجربة الأوروبية كنموذج، وحول كيفية مقاربة الأخذ بقاعدة الأهم والأولى والأدوم. وتقترح هذه المحاولة اعتماد آراء رموز من النخبة المجددة حول المقاصد العليا وما يندرج تحتها كخارطة طريق عامة يمكن أن تساعد، في تقدير المؤلف، على تحديد الرؤية الكلية العامة لوظائف المجتمع المدني وأدواره، وتسدد توجهاته وبرامجه ومشاريعه، ولمعالجة حالة اضطراب الرؤية السائدة فيه. وعرضت خاتمة هذا الفصل الموضوع المبادئ والقيم الحاكمة لأدوار المجتمع المدني وهو يساهم في جهود تنزيل المقاصد.
خلاصة
الكتاب لا يتركنا في منطقة التحليل والتقريع، بل ينتقل بنا بسلاسة إلى تحويل المقاصد إلى نماذج اشتغال، على أمل أن نعبر بها إلى منطق رسم الأولويات، ومنها تتحدد الوظائف والأدوار لإنتاج فكر جديد تهتدي به منظومات العمل المدني وتنظم جهودها على هداه. والكتاب حسب تعبير الدكتور جاسم سلطان قطعة معمارية هندسية فريدة ووجبة فكرية دسمة تطمح للمساهمة في إعادة بناء الوعي ورسم المسار لأخطر وأهم شرائح المجتمع وأكثرها تأثيرا ونفعا، وهم شريحة المعنيين بضرورة التقدم والخروج من المأزق الراهن. (تقديم د جاسم سلطان، ص: 8)