توطئة

اكتسب الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة -في الآونة الأخيرة- أهمية إضافية باعتباره وسيلة لإرساء حيوية هوية ثقافية. ويحيي هذا التقليد، المتجذر في الحكايات الشعبية القديمة لشمال أفريقيا، التوازن الذي ينبغي على الإنسان أن يحققه مع الطبيعة. ويحتفل أمازيغ كل من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وأجزاء من مصر والعالم، برأس السنة الأمازيغية الجديدة والذي يُطلقون عليه اسم “ينّاير” (Yennayer). ويعود تاريخ هذا الاحتفال إلى العصور القديمة، وهو متجذر في الحكايات والأساطير الشعبية لشمال أفريقيا، ويعد إحياء للرابط بين الأمازيغ والأرض التي يعيشون عليها، فضلا عن ثروة الأرض وسخائها. لذلك، يعتبر يناير احتفالا بعيد الطبيعة والحياة الزراعية والنهضة والوفرة.

اتخذ التقويم الأمازيغي شكلا رسميا في الستينيات عندما قررت “الأكاديمية البربرية” وهي جمعية ثقافية أمازيغية مقرها بباريس، البدء في عد الأعوام الأمازيغية اعتبارا من 950 قبل الميلاد. ووقع اختيار التاريخ ليتزامن مع صعود الفرعون شيشنق الأول إلى عرش مصر. ويعتقد الأمازيغ أن شيشنق أمازيغي من أصل ليبي، وهو أحد أبرز الشخصيات الأمازيغية في تاريخ شمال أفريقيا العريق. وبالتالي، يرى الأمازيغ أن هذا التاريخ يرمز إلى القوة والسلطة. في حين يعتبر الباحث الدكتور أحمد ويحمان السنة الأمازيغية خرافة وأسطورة. ويأتي كتابه الموسوم بـ”السنة الامازيغية الخرافة … والخطورة” في سياق النقاش الواسع الذي أثاره موضوع السنة الأمازيغية، خاصة بعد المقابلة التي أجراها مع موقع “بديل أنفو”، والتي لقيت صدى كبيراً، سواء من خلال التفاعل الإيجابي أو عبر الحملة العدائية التي شنها المروجون لهذه الخرافة. لم يكن هذا الجدل مجرد نقاش فكري أو تاريخي، يل كشف لمن لم يطلع بعد، عن وجود أجندة منظمة تعمل منذ سنوات على تمرير رواية مصطنعة تستهدف الهوية المغربية المغاربية، في سياق أشمل من الاختراق الثقافي والتطبيع مع كيان الإجرام الصهيوني.

دواعي التأليف وأهدافه

تلقى الكاتب أحمد ويحمان، لاسيما مع تصاعد الاهتمام بالموضوع، العديد من الطلبات من أصدقاء ومهتمين لتوثيق الحجج وتفكيك هذه الخرافة منهجيا، خاصة أن الخطاب المروج لها يعج بالمغالطات التي بدأت -لتفشي التضليل والتجهيل الممنهج- تنطلي على البعض، مما يتطلب ردوداً موثقة ومدعومة بالأدلة. ويحاول الكتيب كما سماه صاحبه، الاستجابة لهذه المطالب، عبر تقديم رؤية تحليلية تكشف الخلفيات والأهداف التي تقف وراء الترويج لما يسمى «السنة الأمازيغية». ولتحقيق هذا الهدف، قرر إعادة نشر بعض المقالات التي نشرها سابقًا في عموده اليومي «كلمات»، إلى جانب مقاطع مختارة من مقابلات مع صحفيين في جرائد ومواقع وقنوات تلفزيونية مختلفة تناولت الموضوع، بما يساهم في تقديم صورة متكاملة للقارئ حول أبعاد هذه القضية. ويهدف هذا العمل الخفيف إلى أن يكون “مرجعا” موضوعيا للباحثين والمهتمين، وإلى توفير مادة تحليلية وتوضيحية لفهم هذا الملف، وخلفياته الخطيرة، بعيدا عن التزييف الأيديولوجي والتلاعب السياسي. كما أنه يندرج ضمن الجهود المستمرة التي يبذلها “المرصد المغربي لمناهضة التطبيع” للمساهمة في تحصين الوعي المجتمعي من مشاريع التفتيت والاختراق.

مضامين الكتاب

لقد تصاعدت في السنوات الأخيرة وتيرة الترويج لما يسمى السنة الأمازيغية، وتم فرضها على المشهد الثقافي والإعلامي والسياسي باعتبارها مناسبة قومية ينبغى الاحتفال بها، بل وانتهى الأمر إلى إقرارها ووجوب هذا الاحتفال بعد قرار اعتبارها عيدا وطنيا وعطلة مؤدى عنها غير أن العودة إلى الجذور التاريخية لهذه المسألة تكشف عن فراغها العلمي، إذ لم يكن لهذا التقويم أي وجود في المدونات التاريخية أو حتى في الموروث الشفوي للأمازيغ أنفسهم قبل العقود القليلة الماضية.. لا بل إن البحث والتمحيص العلميين أفضيا إلى أن هذه الأسطورة أقيمت على أساس خرافة وغباء يرقى، أو بالأحرى ينحدر إلى مستوى الفضيحة، من المنظور العلمي والأكاديمي. وطرح الباحث بهذا الخصوص العديد من التساؤلات الإشكالية لتكون منطلقا لهذا المبحث من أجل تجلي الغموض وتجاوز المغالطات بل فضحها، وتفكيك هذه الخرافة وكشف التوظيفات السياسية والأيديولوجية التي تقف خلفها. ومن أهم التساؤلات: كيف ظهرت هذه السنة الأمازيغية فجأة؟ ومن يقف وراء الترويج لها؟ وما الهدف الحقيقي من تضخيمها وجعلها رمزاً لهوية جديدة تراد صناعتها بمعزل عن السياق العربي والإسلامي للمغرب الكبير، بل في تناقض معه؟.

إن الرواية المؤسسة لهذه الأسطورة، والمزاعم التاريخية المرتبطة بشخصية الفرعون “شيشناق” والتدليس الذي مارسته بعض الجهات “الأكاديمية” و”السياسية”، سيعمل الكاتب على إبراز كيف تحولت هذه الأكذوبة إلى “حقيقة” مصطنعة. كما سيناقش السياق الأوسع الذي تندرج فيه، خصوصا علاقتها بالمخططات الصهيونية التي تستهدف تفتيت المنطقة عبر خلق هويات متصادمة، في إطار نظرية استراتيجية “الأقطاب الأربعة” التي تسعى إلى تفكيك الدول المركزية العربية لصالح كيانات عرقية مصطنعة.

وقد قسم الكتيب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول عنونه بــ “تفكيك أسطورة شيشناق رمسيس وخرافة “السنة الأمازيغية”. ركز في هذا الفصل على تحليل الأسطورة المؤسسة التي تدعي أن شیشناق كان زعيما وفرعونا أمازيغيا انتصر على الفرعون القبطي رمسيس الثاني، كما يوضح التناقضات التاريخية الصارخة في هذه الرواية، من حيث الفارق الزمني بين الشخصيتين وطبيعة حكم شيشاق الذي لم يكن غزوا، أصلا، بل انتقالاً سلسا داخليا للسلطة في مصر. كما يناقش كيف تم الترويج لهذه الخرافة باسم البحث العلمي، ودور الحركات الأيديولوجية المتأمزغة في فرضها على الدولة، رغم افتقارها لأي أساس تاريخي موثوق. كما يعتمد هذا الفصل على مجموعة من المقالات التي نشرها الكاتب سابقا في عموده  اليومي “كلمات”، إلى جانب مقتطفات من مقابلات صحفية ذات صلة، لتعزيز الحجج وكشف تهافت هذه الرواية.

وسم القسم الثاني بــ “السنة الأمازيغية”.. المخطط الصهيوني وأسطرة التاريخ والجغرافيا. ناقش فيه  العلاقة بين خرافة «السنة الأمازيغية» والمشروع الصهيوني لإعادة تشكيل هوية المنطقة المغاربية. كما استعرض كيف تسعى بعض الأبحاث الصهيونية إلى اختلاق تاريخ مزعوم لليهود في المغرب الكبير، عبر أطروحات مثل: “أرض مقدسة جديدة” و”البربر هم القبيلة الرابعة عشرة من بني إسرائيل”، وذلك في إطار مخطط أوسع لخلق هويات متصارعة تخدم تفتيت المنطقة. ويقف كذلك، وأساسا عند خلفية استدعاء الفرعون شيشناق ليكون الرمز الجامع لقطب ما سموه “تامازغا الكبرى” ضمن إستراتيجية ما يسمى بــ”الأقطاب الأربعة “.

وعنون القسم الثالث؛ بــ”المغرب إقليم توراتي و السفارة بيت كل إسرائيلي في العالم”. في هذا القسم انتقل إلى مستوى التحليل الاستراتيجي، حيث وضع هذه الخرافة ضمن سياق أكبر وأخطر، هدفه النهائي هو تنفيذ مشروع إسرائيل الجديدة في المغرب. فهذه الأسطورة، شأن الأساطير الأخرى التي تم تناولها في القسمين الأولين، وفي عدة كتابات ودراسات سابقة، في سياقات أخرى.. هذه الأسطورة ومثيلاتها كلها تصب في إطار مشروع واحد، هو التحضير لنقل إسرائيل إلى المنطقة المغاربية، انطلاقا من المغرب الأقصى كـ”أرض ميعاد جديدة”، وبالمستمسكات والأدلة القاطعة عن المخطط الصهيوني الخطير.

خاتمة

لقد عمل المؤلف على فضج مشروع اعتبره خطيرا يتجاوز  الذاكرة والتاريخ، ليطال جوهر الهوية الوطنية ووحدة الأمة ومصيرها السيادي، فالمسألة بالنسبة له تتعدى الاحتفال بتاريخ وهمي، لتدخل ضمن إستراتيجية متكاملة تستهدف صياغة هوية بديلة مفبكرة، تفصل على مقاس أجندات سياسية خارجية، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى التمدد والاختراق داخل النسيج المجتمعي المغربي والمغاربي. ومواجهة الأكذوبة هي معركة وجودية من أجل بقاء المغرب مغربا: بهويته الأصيلة، بعروبته، بامتداده الإسلامي، بثقافته الغنية المتعددة ولكن غير الهجينة، وغير القابلة للافتعال أو التزييف.

إن ما يراد تمريره تحت غطاء “الاحتفاء بالتنوع” و “إحياء التراث” و “التقويم الفلاحي”، ما هو إلا واجهة لمشروع أكبر يعيد تشكيل الرموز والاحتفالات والهوية والارتباط بالتاريخ والجغرافيا، تمهيدا لدمج “إسرائيل” داخل البنية الثقافية والاجتماعية والوجدانية للمغرب. مشروع “إسرائيل الجديدة” لا يكتفي بتسويق الفلكلور والرقصات، بل يتسلل إلى المناهج، والاحتفالات، والرموز ويعيد هندسة الذاكرة الجماعية.