توطئة

يعاني الخطاب المسرحي العربي إشكالية قراءة تتمثل في الانتقال من النص المكتوب إلى العرض الحي. حيث يواجه تحديات في تجسيد الدلالات المضمنة والتلميحات التي يتركها النص، خاصة مع تطور التجريب والبحث عن أشكال جديدة، مما يتطلب من المتلقي والنقد تفكيك الشفرات وإعادة تركيبها ضمن سياقات مختلفة (إخراجية، ثقافية، تاريخية) لإنتاج تأويلات متعددة، والتحول من القراءة النصية البحثة إلى المقاربة التداولية التي تفهم المسرح كـفعل سمعي-بصري حركي، وليس مجرد حوار مكتوب. كما أن الامر يتطلب مقاربة جمالية التركيز على دور المتلقي النشط في بناء الدلالات عبر الاستراتيجيات القرائية (افتراضات، توقعات)، وتوظيف المعطيات ما قبل النصية (تاريخية، سوسيوثقافية)، وفهم التفاعل بين اللغة اللسانية واللاسانية (الحركة، الصمت)، وصولاً إلى تجربة جمالية متكاملة تتشابك فيها العمليات الذهنية والانفعالية للمشاهد، وفق ما يحدد بنية العرض وقدراته الدرامية.

وقد انتقل الوعي بأهمية المتلقي في العملية الإبداعية إلى العالم العربي وإلى المغرب، حيث برزت مجموعة من الدراسات والأطاريح التي تبحث في هذا المجال، وتدرس حضور المتلقي في الرواية أو في الشعر أو في المسرح في الثقافة العربية عامة والمغربية خاصة. ومن بين هاته الدراسات دراسة الدكتور محمد فراح التي سعى من خلالها إلى دراسة خصوصيات الخطاب المسرحي العربي في علاقته مع إشكالية القراءة، كما أنه سعى من خلالها أيضا إلى البحث في التفاعل الجمالي لتلقي النص الدرامي العربي. (مقدمة الكتاب، ص: 7\8)

مضامين الكتاب

كتاب “الخطاب المسرحي وإشكالية القراءة نحو مقاربة جمالية لتلقي لنص الدرامي” للدكتور محمد فرح، صدر عن منشورات مؤسسة مسجد الحسن الثاني بالبيضاء، الطبعة الأولى 2018م، مطابع التيسير. ويقع في 164 صفحة، قدم له الدكتور يونس لوليدي.

لقد اختار الدكتور فرح لمتنه ابتداء توفيق الحكيم الذي تعددت مصادره وتنوعت إلى سعد الله ونوس الذي سيس المسرح انطلاقا من تسييس مآسينا وإحباطاتنا، إلى المسكيني الصغير الذي نظر وأبدع في إطار مسرح ثالث يتخذ من التراث والتاريخ أساسا للكتابة المسرحية إلى عماد الدين خليل ونجيب الكيلاني اللذين كتبا في إطار مسرح إسلامي يدعو إلى قيم سمحة ويبحث لنفسه عن صيغ جمالية.

وهذا الكتاب الذي بين أيدينا، يشي بهذا العشق الجميل الذي يحمله الدكتور محمد فراح بين ثنايا القلب للمسرح والذي يتجلى في انخراطه في العمل المسرحي كتابة وتمثيلا وإخراجا وبحثا، وما الأطروحة التي أعدها في مجال المسرح إلا تتويج لهذه المسيرة الطويلة التي قضاها في أحضان مسرح الهواة، والتي أحس من خلالها بأننا لن ندفع بمسرحنا المغربي إلى الأمام إلا إذا زاوجنا بين الموهبة والعلم، وها هو اليوم يحقق هذه المزاوجة ويطلع علينا بكتاب قيم سيغني – ما في ذلك شك – المكتبة المسرحية المغربية. (تقديم الدكتور يونس وليدي، ص: 7\8)

لقد حظيت  إشكالية قراءة النص المسرحي باهتمام كبير في إطار المباحث والدراسات والطروحات النقدية المسرحية المعاصرة. هذا فضلا عما تطرحه هذه الإشكالية من مسائل نظرية ومنهجية وإجرائية سواء إذا انطلقنا من طبيعة الموضوع الذي نستهدفه أي النص المسرحي أو إذا انطلقنا من النظرية أو النموذج القرائي الذي يروم رصده وتحليله.

وإذا كانت الظاهرة المسرحية تتشكل من ثلاثة مكونات أساسية هي النص والعرض والتلقي، فإنه من الضروري، اعتبار أن هذه الظاهرة ليس بإمكانها الوصول إلى مستوى الكمال والشمولية إلا إذا وضعنا نصب أعيننا تداخل هذه المكونات فيما بينها. ويعني هذا أن العمل المسرحي مهما كانت طبيعته أو الاتجاه الفني الذي ينتسب إليه لا يقتصر على النص أو العرض ولكنه يشمل في الآن نفسه المتلقي/القارئ/الجمهور وردود فعله المحتملة.

مما يفرض علينا الإجابة، بخصوص قراءة الخطاب المسرحي وعملية تلقيه، عن مجموعة من الأسئلة يذكر منها المؤلف ما يلي:

  • انطلاقا من أي وعي نظري يمكن تقديم قراءة للخطاب المسرحي بمختلف مكوناته اللغوية وغير اللغوية؟
  • كيف تطرح إشكالية تبليغ الخطاب المسرحي وإشكالية تلقيه الطلاق من الرغبة في تأسيس علاقة جديدة بين منتج الفعالة المسرحية ومتلقي هذا الإنتاج؟
  • هل يمكن أن نتصور ممارسة مسرحية متحررة من تبعات القراءة وقادرة على البحث عن شروط وفاعلية التمسرح في الحياة اليومية وفي الذاكرة وفي التاريخ؟

وفضلا عن ذلك تجدر الإشارة إلى أن القارئ المسرحي سواء كان قارئا عاديا أو دراماتورجيا أو مخرجا أو ممثلا يخضع لمجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية النفسية والاجتماعية والفنية والفلسفية والإيديولوجية والجمالية… مما يجعله يسند إلى الخطاب المسرحي الواحد دلالة أو دلالات ليست بالضرورة هي الدلالة التي يقصدها المؤلف، وذلك بواسطة عمليات التأويل والتفسير والتعليق والشرح. (مقدمة الكتاب ص 9)

تروم هذه الدراسة النقدية بناء مشروع قرائي يستند في تصوره العام على بعض المفاهيم الواردة في نظرية جمالية التلقي التي أكدت فاعليتها ليس فقط في تناول وتحليل الخطابات الأدبية ولكن تعدتها إلى بعض الحقول المعرفية المنتجة للخطابات العلمية بما فيها الخطابات السياسية والسوسيولوجية والسيكولوجية. (مقدمة الكتاب، ص: 11)

لقد حاولت هذه الدراسة قراءة مجموعة من النصوص المسرحية العربية مستهدفة استيعاب مستوياتها وأبعادها الفنية والجمالية والمعرفية مع العلم أن هذه النصوص لا تحمل في ذاتها معاني ودلالات جاهزة تتسم بالثبات والنهائية، ولكنها تكتسب دلالات جديدة بعد كل قراءة جديدة. لذلك يمكن القول أن المؤلف فى هذه القراءة حاول أن يتبع حوارا بينه وبين الإبداع المسرحي العربي وألا يكتفي بالتلقي السلبي الذي يقتصر على القراءة السطحية بقدر ما حاول البحث عن الدلالات المغيبة في هذه النصوص، ليس بهدف استهلاكها ولكن بهدف إعادة إنتاجها بشكل يعمل على إثرائها وتحديد هويتها. ولا يخفى ما في هذا الإجراء من تعقيد تطرحه عملية القراءة بموجب مجموعة من التساؤلات التي تعترض القارئ، فهل يكتفي هذا الأخير أثناء عملية القراءة بملاقاة ذاته أم يتلقى شيئا آخر من خارجها؟ ماهي الأشياء التي تختلج في ذهن القارئ أثناء عملية القراءة؟ هل يقرأ القارئ بحرية تامة أو يترسم خطى قارئ آخر بالنص؟ ما هي الأشياء التي يشترك فيها القراء المتعددون وهم بصدد عملية قراءة نص مسرحي واحد؟.

لقد شكلت هذه الأسئلة وغيرها هاجسا قرائيا حاول الكاتب التغلب عليه من خلال جعل المفاهيم القرائية المعتمدة تتسم بنوع من المرونة بغية الوقوف على بعض المظاهر الجدالية التي اتسم بها هذا النص المسرحي أو ذاك. وكذلك من خلال الاستعانة ببعض الأدوات المنهجية التي تتلاءم وطبيعة النص المسرحي العربي. (مقدمة الكتاب ص 12)

لقد تضمن هذا الكتاب، بعد التقديم والتصدير وقبل الخاتمة، فصلين: عنون الأول بـ: الخطاب المسرحي العربي وإشكالية التلقي/القراءة، به مدخل، ومحاور:

  1. طبيعة الخطاب المسرحي العربي بين التأسيس والتأصيل والتجريب.
  2. الخطاب المسرحي العربي وإشكالية التلقي.
  3. مظاهر الفعل القرائي في الخطاب المسرحي العربي.

أما الفصل الثاني فحمل عنوان: نحو مقاربة جمالية لتلقي النص المسرحي العربي، بعد المدخل، تضمن المحاور الآتية:

  1. نحو مقاربة جمالية لتلقي النص المسرحي.
  2. قراءة جمالية في بعض النصوص المسرحية العربية.
  3. قراءة في مسرحية “شهرزاد” لتوفيق الحكيم .
  4. قراءة في مسرحية “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” لسعد الله ونوس.
  5. قراءة في مسرحية “العقرب والميزان” للمسكيني الصغير.
  6. قراءة في مسرحية “الشمس والدنس” لعماد الدين خليل”.
  7. قراءة في مسرحية “محاكمة الأسود العنسي” لنجيب الكيلاني.

خلاصة

إن أهم خلاصة يمكن الخروج بها من هذه الدراسة النقدية هي أن المؤلف حاول أن يستثمر بعض الأفكار والمفاهيم التي جاءت بها نظرية جمالية التلقي لبناء تصور قرائي يستشرف مقاربة النص المسرحي العربي وذلك من خلال القراءة المحايثة لهذا النص بمعزل عن المؤثرات الخارجية. ومن خلال إدراك المظهرين الفني والدلالي اللذين يتأسس عليهما باعتبارهما جزأين عضوين من كل معقد. (الكتاب، ص: 153)

إن الأعمال المسرحية الجيدة لا تحظى بالخلود لأنها تقدم للقراء المتعددين والمختلفين دلالة واحدة. ولكنها تخلد وتستمر لأنها تقترح على القارئ الواحد معانى متعددة تتعدد وتتجدد بتجدد لحظات القراءة وتعددها، ومن ثمة فإن المؤلف لا يدعي في هذه الدراسة أنه استطاع أن يقدم قراءة نهائية للنصوص المسرحية العربية المختارة، لأن هذه النصوص بحكم طبيعتها الفنية والجمالية مازالت قادرة على تحريك السواكن وعلى إحداث ردود الفعل و على اقتراح تأويلات وقراءات جديدة لها. (الكتاب، ص: 156)