المحتويات
توطئة
يعد العباس بن إبراهيم السملالي واحدا من العلماء والمثقفين في مغرب بداية القرن العشرين الذين نبغوا في الفقه والتدريس، وميدان القضاء. كما كان من الأعلام الذين التفتوا مبكرا إلى إشكالية إهمال تاريخ أعلام مدينة مراكش، فهب إلى تأليف أشهر مؤلفاته وهو “الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام”. وهذا العمل من أحد أبناء مراكش يعتبر مساهمة أساسية في التأريخ لعدد كبير من شخصيات مراكش وجارتها التاريخية أغمات. فوثق فيه أخبار من مر بهما من العلماء والأدباء والملوك والوزراء والصلحاء والأطباء والفلاسفة. كما قدم خدمة جليلة للثقافة والعلم بالمغرب من خلال إخلاصه في البحث والتنقيب عن الكتب والمؤلفات داخل وخارج المغرب فكون مكتبة تعتبر واحدة من الخزانات الشخصية الكبرى بالمغرب في زمانه. وصفه عبد السلام ابن سودة بقوله: “العالم العلاّمة المشارك الحافظ النوازلي المؤرخ المطلع، يستحضر النوازل الفقهية كأصابع يده، كما يستحضر الوقائع التاريخية وخصوصا رجال مراكش ومن دخل إليها من قديم الأزمان كأنه عاش معهم وعاشرهم”[1].
النسب والنشأة
الفقيه والمؤرخ والقاضي عباس بن محمد بن محمد ابن إبراهيم بن الحسن بن مَحمد السملالي المراكشي. وتعرف أسرته بمراكش ببيت بني إبراهيم نسبة إلى جد أبيه، ويعرف بنوه حديثا ببني العباس. وتعود جذور أسرة السملالي إلى منطقة سوس وسط المغرب. كما اشتهر أيضا بالتعارجي نسبة إلى الحرفة التي تمتهنها الأسرة، وهي تجليد التعارج (نوع من الدفوف)، إذ كان والده دكان بسوق الكمّاخين بسوق الجلد بمراكش.[2]
ولد بحي سيدي سليمان في مدينة مراكش عام 1294هـ/1877م، وبها نشأ في كنف أسرة مشهورة بتخريج العلماء والفقهاء والقضاة. وبعد حفظ القرآن الكريم في كُتّاب الحي شرع في النهل من العلوم بعدد من مساجد ومدارس مراكش، وعلى يد عدد من العلماء من أمثال: الفقيه محمد أزنيط، والعلامة محمد بن إبراهيم السباعي، والقاضي العربي بن علال البربوشي الرحماني، والفقيه عبد الرحمان ابن القرشي. كما أجازه عدد من كبار علماء المغرب والمشرق، كالشيخ ماء العينين، والشيخ أحمد ابن الخياط، والشيخ مَحمد القادري، والشيخ أحمد ابن الجيلالي، والشيخ محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ عبد الكبير الكتاني، والشيخ الصوفي أحمد الشريف السنوسي، ومن علماء مصر الشيخ محمد حسين، والشيخ يوسف الدجوي..[3] وقد مكنه الأخذ عن هؤلاء العلماء من النبوغ في عدد من العلوم الفقهية واللغوية، وهو ما ظهر في كتبه ومؤلفاته ودروسه.
الوظائف والمسؤوليات
انخرط السملالي في سن مبكرة في ميدان التدريس، فكانت بدايته عام 1901م/1319هـ باعتلاء كرسي مسجد رياض العروس بمراكش وهو في سن الخامسة والعشرين من عمره. وفي عام 1902م/1320هـ رتب في المرتبة الثالثة في هيأة العلماء بمراكش. كما درس بمسجد المواسين جمع الجوامع وقانون اليوسي بنفس المدينة. وخلال نفس الفترة بدأت تتبلور ميولاته التوثيقية والتأريخية للحضرة المراكشية وصلحاءها السبعة على وجه التحديد، فشرع في ذلك بنظم قصيدته الرائية التي سماها: “تنظيم درر الجمال في مناقب أولياء مراكش السبعة”[4].
وفي إبان عزل السلطان عبد العزيز بن الحسن وبيعة أخيه في مراكش عبد الحفيظ بن الحسن عام 1325هـ/1907م، تولى السملالي عددا من المسؤوليات والوظائف في الميدانين العلمي والإداري، فعين كاتبا بالبنيقة الأولى (الوزارة الأولى)، ثم تمت ترقيته إلى المرتبة الأولى في الهيأة العلمية بمراكش. وعين قاضيا في محلة المولى عبد الحفيظ لما خرج من مراكش إلى فاس قصد الإطاحة بشكل نهائي بأخيه في فاس. وقد استمر السملالي في الإقامة بفاس خادما للسلطان الجديد، كما سمح له ذلك بالتواصل ومجالسة عدد معتبر من العلماء والأدباء ورجال الدولة. فقد كانت فترة إقامته بفاس “من أخصب سني حياة المؤلف. لأنه استطاع خلالها أن ينمي معارفه ويظهر مواهبه، ويلفت إليه الأنظار، ويطلع على ألوان من الحياة، وأوجه من المدنية لم يتح له أن يطلع عليها قبل الاستقرار بفاس”.[5]
وبعد توقيع عبد الحفيظ لعقد الحماية سنة 1912هـ/1330م وخروجه من فاس واستقراره بالرباط، عاد عباس ابن إبراهيم السملالي إلى مراكش ليشتغل بالتدريس والإفتاء والتوثيق والتدريس بمسجد المواسين، فذاع صيته وشهرته، فاستدعي إلى الرباط وعين قاضيا بمجلس الإستئناف الشرعي عام 1915م، وفي ذات الوقت كان يلقي دروس النحو بالزاوية القاسمية. وفي عام 1918 نقل إلى مدينة سطات وكلف كقاضي بمحكمتها ورئيسا لاستئناف أحكام قضاة دائرتها، ثم نقل إلى مدينة الجديدة كقاضي بمحكمتها. وفي عام 1925م/1343هـ عين قاضيا بمحكمة المنشية بقصبة مراكش واستمر في ذلك إلى حين تقاعده 1959.[6]
ورغم مسؤولياته العديدة وانشغالاته المتواصلة فإن القاضي السملالي كان مولعا منذ سن مبكرة بأهمية الكتاب والقراءة والمطالعة، بحيث كرس جزءا هاما من حياته للبحث والتنقيب عن الكتب، سواء في المغرب أو الخارج، اقتناء أو نسخا، فأتاح له ذلك تكوين خزانة شخصية كانت اكبر خزانة خاصة بمراكش.[7] فقد “كان كثير الرحلات زار أوربا مرارا، وجال افريقية الشمالية منفردا في سيارته، ودخل المشرق، وحج 1927”.[8]
مؤلفاته
خلف القاضي عباس ابن إبراهيم السملالي مجموعة من المؤلفات في مجالات الفقه والحديث والأصول، وفي مجالات الأدب والسياسة والتاريخ، وفيما يلي عناوينها:
- الأجوبة الفقهية مع الأحكام المسجلة؛
- درر الجمال في مناقب أولياء مراكش سبعة رجال (منظومة)؛
- إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال؛
- الألماس فيمن اسمه العباس (مخطوط)؛
- الإمتاع بحكم الإقطاع (مخطوط)؛
- الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام؛
- تاريخ ثورة الشيخ أحمد الهبة بن الشيخ محمد مصطفى ماء العينين؛
- حاشية على صحيح مسلم (مخطوط)؛
- ديوان شعر (مخطوط)؛
- القضاء على الإسلام بيد أبنائه؛
- شرح منظومة السلطان مولاي عبد الحفيظ العلوي لجمع الجوامع (مخطوط)؛
وفاته
كانت وفاته رحمه يوم الأربعاء 20 شوال عام 1378هـ/ 29 أبريل سنة 1959م. ودفن بضريح سيدي سليمان الجزولي بمراكش.
المراجع
[1] ابن سودة عبد السلام، سل النصال للنضال بالأشياخ وأهل الكمال؛ فهرس الشيوخ، تنسيق وتحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ط1، بيروت، 1997، ص 173.[2] متفكر أحمد، معلمة المغرب، ج1، مطابع سلا، 1989، ص 84./ مقدمة كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، مراجعة عبد الوهاب ابن منصور، المكتبة الملكية، ط2، الرباط، 1993.
[3] مقدمة كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، مرجع سابق.
[4] متفكر أحمد، معلمة المغرب، ج1، مرجع سابق، ص 84./ مقدمة كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، مرجع سابق.
[5] مقدمة كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، مراجعة عبد الوهاب ابن منصور، المكتبة الملكية، ط2، الرباط، 1993.
[6] متفكر أحمد، معلمة المغرب، ج1، مرجع سابق، ص 84./ مقدمة كتاب "الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام"، مرجع سابق.
[7] متفكر أحمد، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 84.
[8] الزركلي خير الدين، الأعلام، ج3، دار العلم للملايين، ط15، 2002، بيروت، ص 265.