المحتويات
توطئة
تختص جل المدن المغربية بخصوصيات تاريخية وجغرافية منفردة عن باقي المدن الأخرى، وإن كانت سمة الطبع الغالب حاضرة عليها في مجملها جمعا بين المظاهر الحضارية العامة وباقي الخصوصيات. وتظهر هذه الخصوصية فيما انفردت به كل مدينة عن مثيلاتها في باب الحرف والصنائع، وهي ما ستشكل معظم المعطيات المبثوثة حولها في هذا المقال.
ذكر محمد المرير في حديثه عن حاضرة تطوان في مؤلفه الفريد: “اللسان المعرب عن تاريخ وسياسة ملوك المغرب”[1] قوله: “أصبحت تطوان كما كانت تحت حكم الدولة المغربية، ولم تزل كذلك.. وقد لبست تطوان اليوم حلة جديدة غير حلتها بالأمس، فقد اتسعت عمارتها وكثر سكانها. فبعد أن كانت أبنية السكنى لا تعدو الأسوار، صارت الآن تشغل مساحات في الخارج قد تساوي ضعفين أو أكثر من مساحة المدينة القديمة”[2].
ومن المعروف أن المدينة العتيقة والمناطق المحيطة بها تعتبر من المراكز الوطنية المتميزة بمنتجاتها الحرفية الأصيلة والمتنوعة والتي تغطي عددا من الفنون والحرف ذات الأصول الأندلسية التي حملها الأندلسيون معهم خلال هجرتهم واستقرارهم بالمدينة بداية من القرن الخامس عشر ومنها ما كان موجودا بالمنطقة منذ عهود قديمة.
ولذلك تصنف مدينة تطوان، ضمن المدن المغربية التي تعتبر فيها الصناعة التقليدية ليس فقط مهنة كغيرها من المهن، بل فنا قائم الذات تعكس بشكل جلي الجذور الأندلسية للمدينة. وسوف نقف على بيان أهم ما تميزت به حاضرتنا في مجال الحرف والصناعات اليدوية، بما تشمله هذه المنتجات من صناعة الجلود المطرزة والمذهبة، وصناعة الزليج التقليدي، وصناعة الخزف والفخار، وصناعة الخشب المحفور والمزخرف.. وغيرها من الصناعات والحرف التي شكلت ولعدة قرون صلب النشاط الاقتصادي بالمدينة ومحيطها.
أدبيات حول صنائع تطوان
أفرد محمد المرير في كتابه فصلا بعنوان: “الصنائع والفنون”[3]، أبرز فيه أهم الصنائع والحرف التي اشتهرت بها مدينة تطوان، من مثل حديثه عن حرفة صناعة الحرير، وصناعة الصوف والكتان، وصناعة الزليج، وصناعة الأسلحة..
وإلى جانب ما جمعه الفقيه محمد المرير في بعض كتبه، تبرز أسماء أخرى لبعض الكتب الجامعة لهذا التراث الحضاري لمدينة تطوان، من مثل ما نجده عند المؤرخ أحمد الرهوني في كتابه: “عمدة الراوين في تاريخ تطاوين”[4]. حيث أفادنا بوجود عدد من الصناعات والحرف التي كانت منتشرة في تطوان؛ وغالبها حرف موسمية كما قال: “اعلم أن هذه البلدة على صغرها، مركز عام لجل الصناعات التي يحتاج إليها البشر”[5]. هذا إلى جانب ما ضمته دفتا كتاب: “الحركة العلمية والثقافية بتطوان” للأستاذ إدريس خليفة[6] حول تواجد بعض الصناعات الأخرى – وإن كانت بشكل أقل-. كما نطلع على كتاب آخر رصدت فيه مؤلِّفتُه بعض أنواع الصناعات التي ازدهرت بحاضرة تطوان؛ إنه كتاب: “تطوان: سمات وملامح من الحياة الاجتماعية”[7] للأستاذة حسناء داود، وقد اعتبَرت فيه أن مدينة تطوان كانت سبَّاقة إلى تأسيس المعامل الحديثة في النصف الأول من القرن العشرين.
هذا إلى جانب ما أبرزه كتاب: “الحرف والصنائع بتطوان خلال العقد الأول من القرن العشرين” لمؤلفه المستكشف الفرنسي الشهير ألكسندر جولي والذي قام بترجمته جمال الدين العمارتي[8]، كأحد المصادر المعتمدة في هذا الشأن. بين فيه مترجمه أن هذا المستكشف الفرنسي قد أنجز دراسته هذه أثناء مقامه بتطوان بين 1904 و1906 في إطار اشتغاله في البعثة العلمية الفرنسية. ونشرت في مجلة “الأرشيفات المغربية”، على أربع حلقات بين 1906 و1912. ثم كتاب آخر بعنوان: “تحفة الإخوان في الصنائع القديمة بتطوان” لمؤلفه الأستاذ عبد السلام بنونة[9] لكنه اقتصر فيه على ما اشتهرت به المنطقة بما يتصل بصناعة الصوف والحرير والجلد والفخار والزليج وبعض الصناعات الأخرى فقط..
صنائع وحرف تطوان
عرفت بعض الحرف والصناعات ازدهارا كبيرا في مدينة تطوان، ومن ذلك نذكر الأنواع التالية:
-
صناعة الحرير:
يقول محمد المرير: “بل حتى في مدينة تطوان كان نسج الحرائر له تقدم كبير، ولقد انفردت هذه المدينة بنسج نوع من الستور الحريرية يسمى “المسمسم”، كان مضرب المثل.. لما عرف به من الغاية في الإتقان والإحكام في الصنعة”.
ومن أمثلة ما كان يصنع في تطوان من أنواع النسيج الأغطية الشتوية والزرابي. يقول محمد المرير: “أما البطانية والزربية الرباطية، فلهما القدح المعلى والذكر الذائع الشائع في الدنيا”.
ومن أمثلته كذلك نسج الصوف والكتان، يقول محمد المرير: “أما معامل نسج ثياب الصوف والكتان، فهي ذائعة شائعة في البوادي والحواضر منذ القدم، وقد كانت الكرزية الصوفية تصدر بكمية وافرة منها للخارج، فكانت تصدر للنمسا وإسبانيا من تطوان..”.
كما ذكر أحمد الرهوني في عمدته ما عرفت به حاضرة تطوان من صناعة القطن، وأنه قد تواجد بها “مرمات” لصناعة الثياب القطنية، تسيطر عليها أسر معروفة من هذا البلد[10].
-
صناعة الزليج:
تتميز صناعة الزليج في تطوان بألوانه ذات البريق المعدني والتي لا تتعدى في مجملها خمسة ألوان. كما يتميز بمنتوجات سطحية تعطي إحساسا بالبروز، وهو ما يضفي عليه رونقا خاصا يميزه عن الزليج الفاسي المشهور على المستوى الوطني. وعلى المستوى التقني فإن الزليج التطواني يتميز بطريقته الخاصة في شكل قطع صغيرة تصنع من الطين النيئ بواسطة قوالب نحاسية أو خشبية تتخذ شكل القطع المشكلة للشكل الفني المراد تركيبه.
يقول محمد المرير في ذلك: “ومن الصنائع المهمة بالمغرب؛ عمل الزليج، وهذه الصنعة قديمة بالمغرب، امتازت بها فاس وتطوان على سائر بلدان المغرب. وقد أخذ الفن مأخذه الجميل بفاس، حتى صار طرفة للطرف ونزهة للخاطر، ولا تقصر تطوان عن مجاراة فاس في ذلك؛ بل زليج تطوان يفوق زليج فاس بصحته ولمعان لونه وعدم تأثره بطول الملامسة، بحيث تراه في الدور التي مرت عليها العشرات من السنين كأنه حديث عهد بالإنشاء”.
-
صناعة الخزف:
يعتبر الخزف من الصناعات التي تميز المناطق القروية بشمال المغرب حيث يتميز ببساطته سواء على مستوى تصنيعه أو على مستوى مظهره. ويرتبط إنتاجه بسد حاجيات المجتمعات من الأواني المستعملة في طهي الطعام ونقل وحفظ بعض المواد الغذائية. ومن مميزاته أيضا كونه حرفة نسوية ارتبط إنتاجها بالمرأة القروية بهذه المناطق. ولازالت تجارة المنتوجات الفخارية قائمة بين المدينة العتيقة والجماعة القروية كبني سعيد، حيث توجد منطقة “فران علي”، هذا بالإضافة إلى منتوجات الفحم المعتمد عليه في هذه الصناعة كذلك.
-
صناعة الجلد:
صناعة المنتوجات الجلدية من الحرف الأصيلة والقديمة بالمدينة، وتشمل صناعة الجلد الدباغة والخرازة، كما تشهد على ذلك دار الدباغة الموجودة منذ القرن 15م بباب المقابر، ولا زالت قائمة إلى اليوم. وتتنوع المنتجات الجلدية لتشمل عدة صنائع كالطرز على الجلد الذي يستخدم في صناعة الأحزم الرجالية والسروج والأرائك والحقائب، وتذهيب الجلد الذي يستعمل في تجليد الكتب وصنع الأدوات المكتبية، ثم صناعة النعال و”البلاغي” و”الشرابيل” وغيرها من القطع. ولقد عرفت الصناعات الجلدية بتطوان ازدهارا كبيرا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حيث كانت تُصدَّر إلى باقي مناطق المغرب وإلى الخارج.
-
صناعة السلاح:
يقول محمد المرير: “كما أنه كان بمدينة تطوان معامل السلاح الناري والأبيض، ترَقَّى في العصر الأخير ترقيا لا بأس به”. بل يذكر المرير أن بعض الصناع استطاع أن يصنع بعض المتفجرات من البارود وبعض الأنواع من البندقيات تشبه ما كان يعرف من صناعتها بمدينة سلا. يقول في ذلك: “حتى إن بعض المعلمين صنع بأصابعه بندقية على مثال البنادق الحديثة المسماة ببوحفرة”.
وقد ذكر مؤرخ تطوان محمد داود في مختصره كيف حاول بعض الأتراك المساهمة في صناعة القنابل “البمب” بمدينة تطوان. فيحدثنا عن اختيار المولى سيدي محمد لبعض المعلمين وإرسالهم إلى تطوان بقوله: “بعث معلمي البمب إلى تطاوين، فكان أحدهم يفرغ البنبة من قنطارين، وبعث معلمي المراكب إلى سلا..”[11].
-
المطابع بتطوان:
ومن الصناعات التي ظهرت بتطوان بشكل متأخر الطباعة، يقول إسماعيل الخطيب في ترجمة والده: “لم يعرف المغرب – إلى أوائل العهد الاستعماري- انتشارا للصحف – رغم ظهور محاولات – في مدن مختلفة-“. وقد أشار في ذلك إلى تواجد بعض الصحف كدليل على صناعة المطابع بالمدينة، حيث ظهرت صحيفة “صدى تطوان” وبعدها “مخبر تطوان”. وبعد ذلك بدأت تظهر بعض الصحف المحلية كصحيفة “الإصلاح” التي صدرت عن المجمع العلمي المغربي وكان والده العربي الخطيب يرأس إدارة تحريرها. وبعدها صحيفة “شمال إفريقيا”.. ما يفيدنا في أن صناعة الورق والطباعة بشكل عام كان له حظ بمدينة تطوان على عهد الاستعمار وبعد الاستقلال[12].
ولا يفوتني هنا الاستشهاد بنص من كتاب “الحركة العلمية والثقافية بتطوان” حول تواجد بعض الصناعات الأخرى –وإن كانت بشكل أقل- حيث يقول إدريس خليفة،”من هذه الصناعات التقليدية:
- صناعة الفخار، وأصحابها يعرفون بالطفالين.. وأنه كان يوجد معدنها خارج باب المقابر.. وكانت لها مصانع خارج باب النوادر وباب التوت.
- وصناعة الشمع الذي كان يوقد بالمنازل والمساجد والزوايا والأضرحة؛ وأنه كانت هناك دور مشهورة بصناعته كدار غيلان ودار هارون ودار القادري..
- وصناعة التزويق – على الخشب- وكان أهل تطوان مولعين بتزويق أبواب المنازل الداخلية وسقف البيوت والنوافذ – وتزويق أنواع من الصناديق التي تحفظ بها أنواع الثياب وأنواع المرافع التي تكون في المنازل-.
- ومن بين الصناعات الأخرى التي كانت بتطوان، صناعات (تقطير) ماء الورد والياسمين وماء زهر الآترج (اللارنج) وغيرها..”[13].
هذا إلى جانب بعض الصناعات الأخرى القليلة التواجد كحرفة الحصارة، التي تصنع بقصب “الديس” والعزف والقصب التي تفرش به الدور والمساجد على وجه الخصوص. وحرفة “البرادعية” واللتان تعتمدان على المواد النباتية في صناعتها بالدرجة الأولى.
وهذه الصناعات وغيرها كصناعة النجارة والحدادة والبناء وما يتعلق به من صناعة الآجر والجير والجبص وغير ذلك.. كانت تلبي حاجيات السكان المعيشية؛ بحيث كانوا يتكسبون به، بل تجاوز الأمر التكسب المحلي وتعداه إلى خروج بعض المعلمين إلى المدن المجاورة– كما يقول إدريس خليفة- :”وكانت تطوان من المدن المغربية التي ازدهرت فيها هذه الصناعات، وبلغ من شهرتها في ذلك أنها صارت تصدر بعض صناعاتها إلى عدد من المدن المغربية كطنجة وشفشاون وفاس ومراكش، وإلى بعض الأقطار خارج المغرب”.
ومن ذلك أيضا ما عرفت به تطوان بمجالها الطبيعي المتعلق بواد مرتيل كما هو الحال بمدينة سلا، حيث كانت تعرف به صناعة السفن وخاصة على عهد الدولة العلوية، وما يرتبط بالبحر من صناعة تجميد الأسماك وغير ذلك، وانتشار التبادل التجاري على ضفافه بين تطوان وغيرها من مدن الدول الأوربية كجنوة والبندقية الإيطالية، وقنصليات الدولة الانجليزية وإسبانيا والبرتغال.
واعتبارا للدور التاريخي الذي شهده المجتمع التطواني، فإن جل الساكنة تمركزت ومعها الحرف التقليدية داخل أحياء المدينة العتيقة. حتى أصبحت دكادين الصناع عبارة عن أحياء حرفية سميت بنوع النشاط المزاول بها، كالنجارين والخرازين والحدادين والصياغين والخياطين وغيرها من الحرف، بل تطور أمر هذه الصناعات إلى اتخاذ الأمناء والمحتسبين عليها لفض النزاعات ومحاربة الغش والتدليس فيها.
خاتمة
هذه إذن نظرة عامة على بعض الحرف والصناعات التي ازدهرت بحاضرة تطوان، وفق ما وقف عليه محمد المرير في بعض كتبه. وقد استعنت في ذلك ببعض المصادر التاريخية الأخرى لقلة المادة المعروضة عنده.
المراجع
[1] اللسان المعرب عن تاريخ وسياسة ملوك المغرب، محمد المرير، تحرير الدكتور محمد الشريف.[2] اللسان المعرب عن تاريخ وسياسة ملوك المغرب، محمد المرير، مرجع سابق، ص: 16.
[3] اللسان المعرب عن تاريخ وسياسة ملوك المغرب، محمد المرير، مرجع سابق، ص: 61-62، وص: 181.
[4] عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، أبي العباس أحمد الرهوني، تحقيق: جعفر ابن الحاج السلمي، منشورات جمعية تطاون اسمير، ط/2-2001، مطبعة ألطوبريس، ج/1-172.
[5] عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، أبي العباس أحمد الرهوني، مرجع سابق، ص 172.
[6] الحركة العلمية والثقافية بتطوان، إدريس خليفة، منشورات وزارة الأوقاف- المغرب، ط/1-2014، ج-2-478.
[7] تطوان، سمات وملامح من الحياة الاجتماعية، حسناء محمد داود، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، ص: 271.
[8] الحرف والصنائع بتطوان خلال العقد الأول من القرن العشرين، ألكسندر جولي (1870-1913).
[9] تحفة الإخوان في الصنائع القديمة بتطوان، عبد السلام بنونة، تخريج وتقديم حسناء داود، مكتبة سلمى الثقافية رقم (91) تطوان 2016.
[10] عمدة الراوين في تاريخ تطاوين، أبي العباس أحمد الرهوني، ج-1-172.
[11] مختصر تاريخ تطوان، محمد داود، (ب.ت)، ص: 97.
[12] محمد العربي الخطيب رائد الصحافة بالمغرب، إسماعيل الخطيب، منشورات جمعية البعث الإسلامي (تطوان)، ص: 63-78.
[13] الحركة العلمية والثقافية بتطوان، إدريس خليفة، ج-2-478.