المحتويات
توطئة
في قرية بْـزو من توابع إقليم أزيلال بالمغرب كان مولده عام الحماية 1912م، في جو عائلي مطبوع بالصلاح والعلم، ووَسْطَ أسرة عريقة محافظة، رعَته حق الرعاية. وأَنْشَأته مُحبّا لدينه ووطنه ولغته، حتى شبَّ واستقلَّ بشخصية مُــتعَلِّمة، جَــمَّاعَةِ كُتِبٍ ومَعارِف، وذاتِ ثقافةٍ واسعة تمزِجُ بين التقليد والمعاصَرة؛ إنّه مُثقَّف البادية الحاج عبد الرحمن المنصوري.
النشأة والتكوين العلمي
مَسار هذا الرّجل في بداياته لم يكن بِدْعاً مِن مَسار مُـثـقَّفي الحواضِر والبوادي المغربية الأخرى. فقد انخرط في الكُتَّاب لقراءة كتاب الله، فأتمَّه قِراءةً وحِفظاً مُتقَنًا. ثمَّ انغمس في مختصر خليل وألفية مالكٍ ودروس اللّغة العربية، مُنْـتَقِلاً بَعدَ سنينَ مِن دواوير بْـزُو إلى رِحابِ مراكش، مُـتَلَقِّياً العِلم والمعارف مِن جامعة ابن يوسف ومِن معاهد التعليم الأصيل بها. فَكان أنْ تَأثَّر بعلمائها وبِكثير مِن فقهاء مغرب القرن العشرين وبمنهجهم الإصلاحي كالشيخ أبي شعيب الدكالي والعلّامة المختار السوسي والفقيه مولاي أحمد العلمي والعالِم السرغيني محمد[1]، واستِفادته مِن مُصاحَبتِهم -تِلميذاً- في لقاءات خارج حجرات الدَّرس. إضافةً لما كانت تُتيحه إقامات الطّلبة في مدرسة الـمُوّاسين بمراكش مِن فُرصة إيجابية لتبادُل الآراء والمناقشات الدِّينية وتتبُّع الوضع العام في مغرب الحماية، وتَداوُل مَضامين بعض الجرائد والمجلَّات التي كانت تَصدُر ببعض مدن المغرب وتَصِل لمراكش آنذاك، مما عزَّز رصيده الشّخصي مِن التّكوين والتعلُّم والتّثقيف.
شَغَفُ الطّالب-الفقيه عبد الرحمن المنصوري بالعُلوم الشّرعية وأصول الفقه والقضاء وكتابة المذكرات وجمْع الوثائق والاهتمام بالأنساب وبتاريخ الزاوية الشرقاوية[2] العريقة التي تأسّست بأبي الجعد (بجعد) في بدايات الدولة السعدية، على يد الشيخ بوعبيد الشرقي، الذي حوّلها إلى وجهة استقطاب المُريدين والطلبة والفقهاء، ومنارة إشعاع روحي وصوفي بالمغرب كله. وهي زاوية ذات مرجعية شاذلية في التصوف (خط أبي الحسن الشاذلي)؛ مما أهّل المنصوري للخطابَة والإمامة بمساجِد بلْدته، وتَولِّيه القضاء وخطّة العدالة في المركز الإداري الذي يَعودُ تاريخُ بنائه بمدينة أبي الجَعْد لسنة 1931م. ثُـمَّ الْتَحَق بالمقر الجدِيد للمحكمة الذي بُنِيَ في سبعينات القرن العشرين.
في ركابِ البحث الاجتماعي
الحاج المنصوري مِن أسرةٍ ميسورة، عُرِفَت بحيازتها لكثير مِن الأملاك والأراضي في عهد الحماية الفرنسية. كما عُرِفَ عنها تَـبَرُّمها مِن تولِّي المسؤوليات الرسمية، إلّا أنَّ عبد الرحمن هذا سيَجمع إليه مِهنَتَــيْ قائِد/قايْد وقاضي، اللَّتانِ جَـعلَتاه في خِضّم الحياة اليومية للسّاكنة والمخزن وفي قلب العلاقات مع الفرنسيين والانفتاح على المحيط الوطني. هذه الـميزات، والممارسات؛ هي ما حَفَّـزَ الباحث الأمريكي في عِلم الإناسة والاجتماع ديل إيكلمان إلى رَبْط وَثيقِ الصِّلة بهذه الشّخصية منُذُ حَلَّ بمنطقة بْزو، قادماً من أمريكا في مغامرة سوسيولوجية شَيِّقة بهَدفِ التعرُّف على الإسلام المغربي. وإلى هذا الباحث الفَذّ يَعود فَضْل التّعريف بشخصية عبد الرحمن المنصوري، الذي جَعَلَ منها الشّخصية المحورية لكتابه الذّائع الصِّيت “المعرفة والسُّلطة؛ صُوَرٌ مِن حياة مثقف من البادية في القرن العشرين” المنشور في طبعته الإنجليزية سنة 1985م، وفي طبعته العربية سنة 2009. حيث نتعرف على الوجه الآخر للسيد المنصوري، الباحث الـمُفيد للبحث الاجتماعي في قضايا الإنسان والدين والثقافة الشعبية واجتماعيات الثقافة، وإن كانت هذه الـمُساهمة في إجماليتها شَفهية تنهمر من ذاكرة نشِطة وقوية ومُختزِنة لمعطيات ومعارف متنوعة.
القاضي المنصوري بين التراث والحداثة
نَقَل إلينا إيكلمان[3] مُعطياتٍ وافية عن الإسلام الشعبي والحياة اليومية للساكنة وخلافاتها وقضاياها المعروضة على القضاء، وطقوس وعادات القبائل، وتحوّلات التعليم الدِّيني، ووظيفة الـمثقَّف البَدوِي وعُضويتَه في مجتمعه الـمَحلي، مِن خلال الـمرافَقة اليومية للحاج القاضي عبد الرحمن المنصوري، الذي شَهِدَ له بحبِّ التنقيب في أمهات كتب التراث، وبالصرامة الأخلاقية في المعاملات، وبتمثُّلِ أُسُس الهوية الدِّينية الإسلامية للشّعب المغربي واختياراته الـمذهبية، وبالمرونة في التفاعل مع قضايا وإشكالات المجتمع المحلي بأبي الجعد، والعلاقة مع السلطة، في فترة هامّة من تاريخ المغرب الرّاهن.
كان لمرحلة تَلقِّي المنصوري للعِلم في مراكش التي كانت مُقَسَّمة إلى شَطرين؛ شطْرُها الـمنغرِس في التقاليد والعادات والأصول الثقافية والاجتماعية المغربية والتّدَيُّن والبَساطة؛ وتُمثِّله المدينة الـعتيقة، وشَطْرُها المتأَقلِم مع التحديث والـمُتداعِي مع سُنّة التّـغير على النمط الأوربي بتأثيرٍ من الاستعمار وعاداته وثقافته ومُنجَزاته ومضامين غَزْوِه..؛ دَورٌ بارِز في تكوين شخصية القاضي المنصوري، الذي نَقَل إلى محيطه وبَيْتِهِ تَركيبةً عجيبةً -بميزانِ عهْد الحماية- مِن الجَمْع بين التقاليد والتراث والأصالة والحداثة والمعاصَرة، ظَهَرت جليةً في شَخصهِ، ثمَّ في أبنائه وطريقةِ تَربيتهم وتَعليمهم، وفي بَيته ونَمط عَيش العائلة.
إضاءات على مواقِف متناقِضات
إن هذه الشّخصية المغربية التي عُرِفَت بالاستقامة والورع والكَفاءة والكَرم؛ ثَـمّة جوانب في مسارها وحياتها مثير للجدل. ذلك أنّه وفي عَصْرٍ عَلَا فيه صَوت الحركة الوطنية وامْـتَدَّ إشعاعُ رموزِها وخطابها ومكوّناتها من الحواضِر إلى البوادي، وفي زَمنٍ نَوَّه فيه المغارِبة والأشقاء العرب بأدوار المقاومة الـمسلحة المغربية وجيش التحرير[4]؛ كانت للرجل مواقِف راديكالية وغريبة، فلم يَقبَلِ الأحزابَ السّياسية، واعْـتَبَرها عِبارة عن كُتَلٍ مِن اللُّصوص، وانْـتَـقَد بِـحِدَّة حِزب الاستقلال[5] وتَصَدّى لتدّخلات قياداته وأعضائه في شؤون القضاء سنة 1957، وتَـمَوْقَف سلبًا من جيش التَّـحرير ورجالات الـمقاوَمة.
هذه الـمواقِف الـمُستخْلَصة مِن سيرته ويومياته مَعية الباحث ديل إف إيكلمان تُثير الغرابة. وتُبينُ عن بعضِ المفاصَلة بين التّكوين الدّيني والفِكري للرّجل، وانفتاحه الذِّهني والسلوكي، وزَمنه الذي عاشَه بين مِطْرَقة الاستعمار الغاشم وسِندان الـحداثة الغازية، رغم أنّه بقيَ في منْأى عن الاعتقال والنّفي والـمضايَقات مِن طَرف الـمستعْمِر، وبَعيداً عن التنمُّـر والإذاية الـشّعبية التي كانت تَلْحَق عادةً بعض القُــيّاد والقُضاة والـمُستَسْلِمين للاحتلال الأجنبي، وذلك لسُمعة أُسْرَتِه ومكانته العلمية والفِقهية في بلدته، ومنصبه الوظيفي القريب مِن دار المخزن.
وفاته
وبَعدَ حياةٍ مَديدةٍ شاهِدةٍ على عصر السياسة والاستعمار والتحولات في البنيات الثقافية والسلوكية والمهْنِية والعادات الـمجتمعية وذهنية البادِية. وبَعْدَ مَسيرةٍ مِن العيش بين الكُتبِ والإدارة الـمخزنية والوِلاية القضائية؛ تُوفِيَ الحاج عبد الرحمن المنصوري إلى رحمةِ اللهِ يوم فاتح يونيو من سنة 2004، عن اثنين وتسعين سنةً.
المراجع
[1] (أبوري) خديجة: "العلامة سيدي محمد الكبير بن محمد السَّرغيني (1164هـ) وعنايته بالحديث النبوي الشريف"، مركز ابن القطّان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العَطِرة"، الرابطة المحمدية للعلماء، منشور بتاريخ 11 – 10 – 2021.[2] انظر: (الشرقاوي) أحمد بوكاري: "الزاوية الشرقاوية؛ دار عِلم ودينٍ وصلاح"، الجمعية المغربية للبحث التاريخي، الطبعة الثانية، 2015.
[3] (إيكلمان) ديل إف: "المعرفة والسلطة في المغرب؛ صور من حياة مثقف من البادية في القرن العشرين"، ترجمة الباحث محمد أعفيف، تقديم الدكتور محمد الشرقاوي، منشورات دار النشر ملابطا، طنجة، طبعة 2009.
[4] مجموعة مؤلِّفين: "موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير"، الجزء الثاني، المجلد 1؛ "عمليات جيش التحرير والأعمال الفدائية"، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الرباط، نسخة ورقية.
[5] جريدة "العَلم"، عدد صادر بتاريخ 22 يوليوز 2009.