المحتويات
توطئة
عرفت البشرية خضوع العديد من الأفراد للاعتقال وسلب الحرية والاستعباد، وتعرضوا للقمع والقهر والتعذيب، في سجون وأقبية الاستبداد لأنظمة ديكتاتورية. ووصل الأمر إلى فعل الإبادة للحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، ولكل صوت حرّ يهدد وجوده العنفي، تاريخٌ من العار يكلّل جباه الطغاة. وقد دفع ذلك الأمرُ كثيرًا من الذين خاضوا تلك التجربة المريرة إلى تدوينها في صيغة عمل أدبي، سواء أكان قصة أو رواية أو كتاب يوميات أو سيرة ذاتية. ومهّد ذلك لظاهرة “أدب السجون”، وهو أدبٌ صادر في معظمه عن تجارب شخصية حيّة ومشاعر إنسانية عميقة، قدمت للأدب وللحياة وللبشرية ما يُسهم في دحر الظلم والظلامية.
ويعد أدب السجون في الرواية العربية توثيقاً أدبياً موجعاً لتجارب الاعتقال السياسي، حيث يجسد التعذيب الجسدي والنفسي وقهر الهوية. ويركز هذا النوع الأدبي، الذي يميل غالباً للواقعية التوثيقية، على كشف أساليب القمع، ومحاولات السجين للحفاظ على كرامته، معتمداً على سرد حكايات حقيقية من سجون عربية مختلفة.
ويأتي كتاب “أمهات عرفتهن من خدر البيوت إلى المرابطة أمام أبواب السجون والمعتقلات”، للكاتب مولاي أحمد صبير الإدريسي، ليخوض تجربة جديدة ومغايرة عن سابقاتها، لا من حيث الشكل ولا المضمون، فهو يجلي معاناة أمهات المسجونين؛ ولا يهم صاحبه أن يصنفه النقاد ضمن أدب السجون، أو مصنفات التاريخ، أو مباحث المونوغرافيا، أو جنس السير، بقدر ما جعل عمله بوحا جميلا بنضال أمهات شقين بأمومتهن، وأدين ثمنا غاليا صحيا ونفسيا واجتماعيا… (تقديم الكتاب، ص: 10)
إن رصيد أدب السجون بكل تلاوينه وعناوينه وأجناسه طافح بالأحداث ضاج بالشخوص، لكنه خلو من حضور أمهات المعتقلين، فكن فيه الحلقة الأضعف -لا يدري مولاي أحمد صبير الإدريسي، أكرها أم عمدا أم خطأ أم نسيانا؟- وإن حضرن، فبإشارة من بعيد، ثم سرعان ما يطويهن شلال السرد. (تقديم الكتاب، ص: 11)
والكتاب بين أيدينا صادر عن مؤسسة عقول الثقافة، مطبعة أكسا برنت/ فاس، الطبعة الأولى، 2026م، يقع في 131 صفحة.
هدف الكتاب
الكتاب بوح مؤلم، معاناة سنوات من الحرمان، بين الألم والأمل، وفراق الأبناء، وطول الانتظار، ومشقة الطريق، والشوق للعناق، والبوح المكلوم، والشباب الفاقد للأمل، التواق للحرية، والشوق للطيران نحو الأفق بالرغم من الأجنحة المنكسرة، آهات أمهات فقدن أبناء في رعيان الشباب، ولم يكن ذنبهم سوى اختيار لمنهج في الحياة، وطريقة في التفكير، وربما سوء في التقدير.
“هذا الكتاب نفثة مصدور، ورجع صدى، إنه توثيق تجربة، وتأريخ مرحلة، وشهادة على زمن تواطأ المتابعون للشأن السياسي والاجتماعي المغربي على نعته بزمن “سنوات الجمر والرصاص”. زمن كان الرمي فيه عشوائيا، والضرب فيه مميتا قاتلا.
اختار المؤلف أن يبيضه تكريما لفئة من ضحايا “الاعتقال السياسي المعنوي”، كابدن أنواعا من الألم النفسي والإيذاء البدني الذي كان وراء صناعته زُوّار الليل ممن امتهنوا أشكالا فجة من الاقتحامات، وتفننوا في توزيع وجبات الخوف والسهاد بإتلافهم الأمتعة، وتمزيقهم الأفرشة… (تقديم الكتاب ص 9)
يأتي هذا الكتاب ضدا على النسيان، ورفضا للنكران. يأتي إحقاقا لحق أمهات حزن حظا وافرا من شروط الأمومة، وزدن على ذلك مواهب وكفاءات وقيما وأخلاقا، من أمهات ابتلين في أبنائهن، وفرض عليهن نمط من الحياة تحملن فيه ما لا يطاق، ولزمن معه لزوم ما لا يلزم.
مضامين الكتاب
يحاول الكتاب نفض الغبار عن مرحلة امتدت على مدى أكثر من عقد من الزمن (1984/ 1994) أبطالها شباب حوكموا ضمن ما عرف بمجموعة 71؛ “51 حضوريا و 20 غيابيا”؛ والتي عرفت 11 حكما بالإعدام، وتراوحت باقي الأحكام بين المؤيد و 30 سنة و 20 سنة و 10 سنوات و 4 سنوات. ونفض الغبار هنا يتجاوز المحكومين، وسير محاكمتهم، وملابسات اعتقالهم، ومسار التحقيق معهم… ليهتم بأمهاتهم اللواتي كن ضحايا أحكام قاسية “من الاعتقال المعنوي أو الاعتقال الرمزي” قضينها في سجن واسع بحجم هذا الوطن وكن -بحق- الوجه الآخر لهذه النازلة، والشخوص الحقيقيين لهذه الدراما السوداء التي لا يتمنى عاقل أن يعاد عرض فصولها، لأنها كليا أو جزئيا ثلمة في تاريخ هذا الوطن، وشكل مخز من أشكال عقوق أمهات لم تحسن وفادتهن، ولم نحفظ الود اللازم لهن. (تقديم الكتاب، ص: 12\13)
بعد التقديم، عرض المؤلف لمسار الاعتقال في صفوف الإسلاميين بالبيضاء، وملامح الوضع السياسي لمطلع الثمانينات، من خلال تقارير منظمات حقوق الإنسان، وكتب المذكرات، وكتب السيرة الذاتية، وكتب السير الغيرية، والحوارات الصحفية، والأبحاث والأطاريح الجامعية، وتصريحات بعض الحقيقيين والمحامين، وتقارير هيئة الإنصاف والمصالحة… ليعبر إلى السفر باعتباره طقسا، ذاكرة، تعبا ومعاناة، وصالا، أملا، في الطريق إلى آسفي، في الحافلة، القفة، في العودة من آسفي، في السجن والسجان، الرسالة عابرة للقضبان، أنا وأمهاتي، واحدة وعشرون، نقل معاناتهن، ليخلص إلى وجاء الفرج.
هن أمهات كتبن تاريخ مرحلة بمداد الدموع، وألم الفراق، وآهات الانتظار، ولكن بشجاعة عالية، وإقدام نادر وجلد غالب موجات نكران الجميل التي بلغت منتهاها بمصادرة حقهن في الحضور، والإمعان في إقبار تجربتهن، وبخس صمودهن، والتنكر لمسارهن النضالي الذي عمر دهرا. بعضهن غادرنا إلى دار البقاء، غادرننا يحملن جروحا، وندوبا، وأوجاعا، وآلاما. غادرننا دون أن يفطن للمغادرين أحد، غادرننا بعد أن أوكلنا للنسيان عن منجزات هذه القامات التي انتصبت لسنوات في كبرياء على طريق شاق تبرعمت فيه معاني الأمومة التي لم يكدرها صلف السجان، ولا خذلان الخلان ممن استساغوا الاستسلام لهذا الإهمال.
في حضرتهن، تبلغ اللغة منتهاها، تخلع عنها الأسمال لتتبرعم من جديد وتصبح أكثر جلالا، وأعظم جمالا، وإن كانت أقل صخبا في حضرتهن. يكتب الحبر حنينا يتمدد على الورق في عنفوان، يستلهم الولع من صدى أنفاسهن، والأمل من تباريح أوجاعهن، حيث رحلات الشتاء والصيف، وقرع الأحذية على الإسفلت مساء كل أربعاء وهن يتأهبن للخروج ليلا إلى “ساحة السراغنة” حيث “حافلات الشقوري” المتهالكة التي صار هديرها أنشودة انتظار حافلات احتكرت الوجهة إلى مدينة أسفي، حيث يقبع “السجن المدني”، غابة إسمنت مسلح يؤوي أبناء اختاروا على انفراد مسارا دون استشارة أحد، فتخلى عنهم ذات يوم جل المعارف والأقارب؛ ما عدا أمهات شريفات عرفن خزان الاحتساب لحنا، والصبر وردا، والأمل نشيدا.
هن أمهات أفرغن ذاكراتهن لتسع قاموسا جديدا لأسماء السجانين، وأرقام الاعتقال، وأرقام الزنزانات، وتاريخ الزيارات وأسماء هيئات إنسانية، ومنظمات حقوقية، وأسماء جرائد مساندة وأخرى غير مبالية، وقاموس طافح بمفردات طارئة كالحرية والكرامة ومعتقلي الرأي و الاعتقال السياسي والحق في الحياة والإضراب عن الطعام. على مهل صنعن بطولات وسطرن ملاحم، وكتبن تاريخا غير رسمي، تعلم الصبر منهن الجلد، وتعلم اليأس منهن الأمل. وأنت بحضرتهن، تذكر أنك في محراب، كل نبضة قلب تسبيحة، وكل نفس صلاة، وكل دمعة نداء استغاثة. في حضرتهن ستفهم أن الإنسان ليس بحاله، بل بادام وليس بما يملك، بل بما يُحب وبما ينتظر، وهؤلاء الأمهات عشق جبالا راسيات رابطن منتظرات، لم يأخذ الملل ولا الضجر من جلدهن ظلت ابتساماتهن الخافتة ملهمة ونفئات صدورم محفّزة، كأنهن يهمسن بصوت واحد: نحن “ما زلنا هنا لأجلكم اصمدوا، اصبروا، تحمّلوا، فإن الفرج قريب”.
خلاصة
هذا الكتاب إذن هو محاولة صادقة لرأب الصدع وتجاوز النسيان، وحفظ الذاكرة، وإعلان الحقيقة، والاعتراف بالجميل لأمهات تجرّعن حظا من وجع وطن اختار بعض مسؤوليه على مدى عقود أن يوزعوا في ربوعه الألم بسخاء، وأن ينثروا الأوجاع في أرجائه بلا حدود، وأن يمعنوا في الإيذاء.
بعد سنوات عجاف، خرج الأبناء من سراديب آسفي، لم يكونوا على شبه بالناس، ولا على شبه بأنفسهم القديمة؛ حين انقشع غبار الاستقبال، وضجيج الترحاب وصخبه، وفتحوا أعينهم محدقين في العالم من حولهم، وجدوا وجوه الأمهات على غير ما كانت عليه قبل عشر سنوات… علم الأبناء أنهم لم يكونوا وحدهم سجناء، وأدركوا أن الاعتقال لم يطلهم وحدهم في زنازين أسفي، بل إن الأمهات أيضا كن سجينات. وأنى لهم أن يردوا الجميل.