مقدمة

إذا كان الإطار الماكروسوسيوتاريخي الذي أفرز رقصة تاسكيوين في أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي، كرقصة حربية هو تطورات الصراعات اللّفية التي تنجم عن المواجهات والحروب القبلية التي تندلع باستمرار وبشكل دوري بين مختلف الوحدات القبلية المستقرة (الأصلية والوافدة) في أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي المشار إليها سلفا حول الموارد الطبيعية، التي تتميّز بالندرة، مما يكشف أنّ  تلك الصراعات ورسوخها، قد انعكس  ثقافيا في عاداتها الإجتماعية وتقاليدها الثقافية (الفنية والغنائية). فإن تطورات الحروب والصراعات اللّفية المماثلة لها بين حلفي “تاحْكّات” و”تاكوزولت” بمنطقة الأطلس الصغير، وبين حلفي “أيت عثمان” وأيت “إيراتن” أو بين حلفي ” أيت “فاضْمْت” و” أيت تازكّوت” بمنطقة الأطلس الكبير الأوسط ( واد غيغاية وواد أوريكة)، لم تستطع تداعياتها السياسية وتجلياتها الإجتماعية أن تنتقل إلى المجال الفني والثقافي لتفرز نمطا معيّنا من الرقص المرتبط بها والمشابه لرقصة “تاسكيوين“، ولم تتجاوز هذه الحروب اللّفية فيها التعبير عن نفسها بالنظم الشعري الغنائي في رقصة أحواش المعتادة، ربما لأسباب وعوامل لازالت في حاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب عنها في التراث المحلي بهاتين المنطقتين.

السياق الإجتماعي لظهور رقصة تاسكيوين

ففي إطار هذه الأحلاف القبلية الحربية (اللفوف) تمارس أنشطة اجتماعية قائمة على  التضامن والتعاون في إنجاز العديد من الأنشطة الإجتماعية ( النصرة والتآزر – الزواج والمصاهرة..) والاقتصادية ذات العلاقة بفلاحة الأرض ورعي الماشية وتهيئة السواقي، كما شكّلت هذه اللّفوف إطارا للمبادلات التجارية في الأسواق القبلية الأسبوعية بين الوحدات القبلية بكل مستوياتها[1] وتكون هذه الأنشطة مرفوقة بأنشطة فُرجوية واحتفالية وفنية (غناء – موسيقى – رقص..) للترفيه والتسلية، حيث تشرع الوحدات القبلية المنضوية تحت لواء كلّ لفّ (حلف)، من خلال شبابها، الذين يُصْطَلَحُ عليهم “العْمّْتْ”[2]، سنويا عند قرب نهاية فصل الصيف في تنظيم احتفالات تسمّى بـ”تينّوبْكا” (أو الضيافة)، يستضيف خلالها شباب كلّ وحدة قبلية (دوّار – مُوضْع – إيخّس – تاقبيلت..) نظرائهم من شباب الوحدات القبلية الأخرى المنخرطة في نفس الحلف القبلي. حيث يختار مُقدّمَ (أمزوار) كل دوار (مدشر) أبرز وأقوى الشبان وأمهرهم في فنون الحرب، لينضموا لأقرانهم من شبان الدّواوير المجاورة، ويشكلوا مجموعة يترواح عدد أفرادها بين الأربعين والخمسين، ويُحدّد موعد انطلاق هذه المجموعات في طواف قبلي (أدوال) يستغرق حوالي شهر، ويشمل هذا الطّواف كل دواوير منطقة معينة، حيث يُستقبَل هؤلاء الشباب الذين يعتبرون من خيرة أبناء الوحدات القبلية ومن أبرز محاربيها، بالإحتفالات ويستضيفهم كلّ “مُوضْع”( دوّار)  يوما أو يومين[3].

وبذلك كان كل حلف قبلي ينخرط، خلال فصل الصيف، في سلسلة من الاحتفالات اليومية المتوالية والمتنقّلة من “مُوضْعٍ” إلى “مُوضْعٍ”، هذه الاحتفالات التي  كانت رقصة أحواش ورقصة “تيسْكْتْ”  أو “أيتْ تاسكيوين” أبرز أنشطتها الفنية والفرجوية، فعلى هامش رقصة أحواش أو بعد انتهاءها تشرع مجموعة من حوالي خمسة عشر فردا من أولئك الشبان (في بعض القبائل تنضم إليهم كذلك الفتيات في صف مقابل لهم)، في أداء رقصة خاصة يستعرضون ويكشفون فيها عن قدراتهم القتالية وكفاءاتهم العسكرية، ويعبّرون فيها عن بطولاتهم الحربية من خلال تقليدهم فنّيا للعمليات العسكرية وللمهارات القتالية، ويصوّرون  بتعبيرهم الجسدي أطوار المعارك الحربية.

وتبقى “تيسْكْتْ”أو القرن، المرصّعة بالزخارف الفضية أو النحاسية، والمذيَّلَة بكتلة مصفوفة من خيوط الصوف القصيرة والحمراء، والتي يثبّتها كلّ راقص على كتفه الأيسر، هي العلامة المميزة لهذه الرقصة الحربية، والتي باسمها عُرِفَتْ هذه الرّقصة، ومنذ مدة طويلة عبارة عن قرن مصنوع من خشب شجر البلوط أو العرعار، بعدما كانت بالفعل قرن كبش، يتم إعدادها بشكل يسمح بجعلها وعاء قابل لاحتواء وخزن مسحوق البارود، الذي تُشحَنُ به البنادق، باعتبار البارود والبنادق أهمّ سلاح كانت تُحقَّقُ به الانتصارات وتُحْسَمُ به الحروب عموما والمعارك بين القبائل على وجه الخصوص.

الوظائف الإجتماعية والسياسية والفنّية لرقصة تاسكيوين

ما سبق، يكشف بالملموس أن رقصة تاسكيوين، كانت من الآليات الثقافية والفنية، التي ابتكرتها قبائل أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي، للتعبئة العسكرية والسياسية للقوات القبلية لكل حلف قبلي على حدة، بتحفيز وبعث الحماس في شبابها للاستعداد للدفاع عن حمى قبائلها وحماية مواردها وصيانة شرفها، وتقوية شعور الانتماء للحلف كدائرة أوسع لربط علاقات الأخوة بالمصاهرة والنصرة والتآزر والتضامن.

وهنا تطرح إشكالية الوظائف الإجتماعية للفنّ بصفة عامة، وبالنسبة لرقصة تاسكيوين، في إطار علاقة الفنّ بالمجتمع، كما تناولها كبار سوسيولوجي الثقافة والفنّ[4]، من حيث الإستقلالية التي تتمتع بها الظاهرة الثقافية والفنية عن الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها، “إذ كان ينبغي دائما مناهضة الميل نحو اختزال التفسير بواسطة العلاقة بين تَطَبُّع (Habitus) ومجال، إلى تفسير مباشر وميكانيكي بواسطة  الأصل الاجتماعي”[5]. فرقصة تاسكيون بعدما استنفذت وظائفها الاجتماعية والسياسية والعسكرية، اتّجه المجتمع القبلي في أعالي جبال الأطلس الكبير الغربي، بعد التحولات العميقة التي عرفها، خاصة خلال القرن التاسع عشر، إلى اختزال أدوارها في وظيفتها الثقافية الفنية، في الإحتفال والفرجة والتسلية والترفيه. فكيف تراجعت الوظائف الإجتماعية والأدوار السياسية لرقصة “تاسكيوين“؟

بحكم التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة، التي عرفتها منطقة الأطلس الكبير الغربي منذ نمو مظاهر السلطة الفردية واستبدادها، التي تجسّدت في صعود الظاهرة القايدية (Caidalisme) انطلاقا من منتصف القرن التاسع عشر[6]، مما يمكن اعتباره بداية خفوت جذوة اللفوف القبلية، فالصراع بين شيوخ القبائل من نفس الحلف، يساهم في إضعاف شعور الأخوة والنصرة والتآزر والتضامن بين الوحدات القبلية المنتمية إلى نفس الحلف،  وقد رصد روبير مونطاني هذا التحوّل[7] الذي كانت له انعكاسات سلبية على الأدوار الاجتماعية والسياسية لرقصة “تاسكيوين“.

ويعتبر نمو سلطة الشيوخ وتوسعها، داخليا على حساب نفوذ المجالس القبلية ( أيت ربعين – إينْفْلاسْ)، وخارجيا على حساب الوحدات القبلية المجاورة، وانخراط هؤلاء الشيوخ  في الصراع حول النفوذ بين القياد الكبار، بداية لتفكّك اللفوف القبلية، وهذا ما يمكن ملاحظته في منطقة سكساوة حيث نمت السلطة الفردية، وانقسمت القبيلة إلى ثلاث فخذات (تيقبيلين) بثلاث مشيخات متنافسة ومتصارعة:

  • فخدة “أيت حْدّو يوس” بقيادة أمغار احماد أوموليد.
  • فخدة “إيدْما” بقيادة الحاج احفيظ أوبلا.
  • فخذة “أيت الحسن” بقيادة القايد المختار[8].

فإذا كانت الفخذتان الأوليان من نفس الحلف القبلي وهو حلف”إيغرطان“، فإن الفخذة الثالثة تنتمي إلى الحلف المنافس”إيمسيفرتن” وإذا كان الصراع بين فخذة “إيدما” من حلف إيغرطان، وفخذة أيت الحسن من حلف “إيمسيفرتن” عاديا بحكم انتماءهما للفّين مختلفين ومتصارعين، فالغريب هو الصراع بين فخذة “إيدما” وفخذة “أيت حدّو يوس”، لأنهما ينتميان إلى نفس الحلف (إيغرطان).

ونفس الأمر وقع في جبال كدميوة حيث كان الصراع على أشده بين حلفي إيغرطان وإمسيفرتن[9]، خلال القرن 18م والنصف الأول من القرن 19م، حيث شنّ القايد حدّوش الماغوسي، الذي يوجد مقره بدوّار أداسيل، بفخذة “إين ماغوس”، المنتمية لحلف إيغرطان، حملة عسكرية على فخدة “وينْسْكتْن”، المنتمية لنفس الحلف (إيغرطان) سنة 1870م، مما دفع بهذه الأخيرة إلى طلب النجدة والنصرة من فخذة “آمْسْماترْتْ” المنتمية لحلف إيمسيفرتن[10].

وعاشت البنيات القبلية في السفح الجنوبي للأطلس الكبير الغربي نفس التحوّل، حيث تعزّزت السلطة الفردية لشيوخ القبائل، الذي دخلوا في صراعات داخلية فيما بينهم من جهة، كما انخرطوا في الصراع بين القياد الكبار، موظفين فيها لفوفهم القبلية. فقد تمكّنت أسرتي أيت بازّي في تالكجونت وإدمنصور في تالامت من الانفراد بالسلطة واقتسام النفوذ في المنطقة الممتدة من أونين شرقا إلى إداوْزالْ غربا. وحاول المخزن في شخص خليفته الشريف مولاي إدريس، الذي عيّنه القايد عبد الله أوبيهي الحاحي باشا في مدينة تارودانت، توظيف انتماء الشيخ علي نأيت بازّي إلى حلف “إداوزدّاغْ” وانتماء أحمد أومنصورْ للحف المنافس “أيت زوليط” قصد ضمان ولاء القبائل المنضوية تحت لواء الحلفين للمخزن، ففي الوقت الذي استطاع  فيه الخليفة مولاي إدريس جرّ احمد أومنصورْ لضمان  ولاء الوحدات القبلية المنتمية للفّ أيت زوليط للمخزن في تارودانت، ولينحاز في ما بعد إلى قائد حاحا، اتجه الشيخ علي نايت بازّي كزعيم للفّ “إداو زدّاغ” إلى الجبل لينضم لاحقا، إلى حلف القايد المتوكّي[11].

كان لهذه التحولات الممثلة في نمو السلطة الفردية للشيوخ وصعود القايدية، والصراعات التي ترتبت عنها، أثر كبير على الأحلاف القبلية، فتراجعت قوتها، وتلاشت تدريجيا روابط الإنتماء إليها، وشرعت العلاقات الإجتماعية التي انبثقت عنها في التفكّك والتحلّل، وفي مقدّمتها “تينّوبكا” التي كانت الحضن الذي نشأت فيه رقصة تاسكيوين.

استنفاذ رقصة تاسكيوين لأدوارها السياسية والعسكرية ولبعض وظائفها الإجتماعية، بعد انتفاء الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أفرزتها، لا يعني نهايتها فنّيا، بل يمكن القول أن طابعها الفنّي والجمالي سيترسّخ، عندما تخلّصت الرقصة من أدوارها الوظيفية، وإن كان لغياب الشروط الإجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نشأت فيها دورا كبيرا في انحسارها تدريجيا وفي تراجعها في أوساط الكثير من القبائل التي كانت تمارسها، وهذا ما يطرح تحدي الحفاظ عليها وصيانتها من خطر الاندثار، بالبحث عن سبل ضمان استمراريتها كرقصة فنية عريقة تحمل العديد من الدلالات الإجتماعية والإيحاءات الرمزية والإحالات التاريخية.       

المراجع
[1] Robert Montagne ; Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc – op.cit –P : 192.
[2] Bernard Lortat-Jacob, « L’ahwash berbère du Maroc : Le passage difficile d’un « col musical -, Cahiers de littérature oral- 73-74 – 2013.
[3] Robert Montagne ; Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc -  IBID. P : 190.
[4]  ديفيد إنجليز- التفكير في "الفنّ"سوسيولوجيا - في الكتاب الجماعي  "سوسيولوجيا الفنّ: طرق للرؤية"– تحرير: ديفيد إنجليز وجون هغسون - ترجمة ليلى الموسوي - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت- سلسلة عالم المعرفة -  عدد:341 يوليوز 2007- ص:43. - ناتالي إينيك- سوسيولوجيا الفن - ترجمة: جواد قبيسي - مراجعة: فوّاز الحسامي - إعداد: المنظمة العربية للترجمة  بيروت لبنان- توزيع : مركز دراسات الوحدة العربية بيروت لبنان- ط: 1 بيروت يونيو 2011.
[5]  بيير بورديو- قواعد الفنّ – ترجمة ابراهيم فتحي – الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة – ط 1 سنة 2012- ص: 128.
[6] Frédéric de la Chapelle – La formation du pouvoir monarchique dans les tribus berbères du Haut-Atlas occidental – Hespéris – tome VIII 1928 P : 18.
[7]  Robert Montagne ; Les Berbères et le Makhzen - op.cit –P : 263. 
[8]  Jaques Berque – Les derniers chefs Seksawa – in De l’Euphrate à l’Atlas : 1- Espaces et moments  – La bibliothèque Arabe Sindibad Paris 1978- P : 191.
[9] Robert Montagne ; Les Berbères et le Makhzen - op.cit –P : 189.
[10] Robert Montagne; Les Berbères et le Makhzen,  IBID - P :190.
[11] Robert Montagne; Les Berbères et le Makhzen, IBID- P : 279-280.