المحتويات
توطئة
تعد القضية الفلسطينية في جوهرها صراعا بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية الحديثة، التي تتجسد، في المشروع الصهيوني العالمي الساعي إلى الهيمنة المعنوية والحضارية على العالم. كما أن مركزية المسجد الأقصى تشكّل ركيزة أساسية في فهم وعد الآخرة وبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمستقبل هذه الأمة. ويبقى بيت المقدس قلب التحرر الموعود، ليس لفلسطين وحدها، بل للأمة الإسلامية جمعاء.
ويُعتبر كتاب “سنة الله” لعبد السلام ياسين رحمه الله من أبرز المؤلفات التي تناولت معركة الأمة مع الصهيونية، حيث يقدم رؤية عميقة وشاملة لهذا الصراع التاريخي. ويأتي كتاب عبد الصمد فتحي قراءة له في ظل نفحات “طوفان الأقصى”. ويهدف إلى تقديم رؤية لطبيعة الصراع الذي تجسده القضية الفلسطينية بشكل عام، ومعركة “طوفان الأقصى” بشكل خاص. كما يسعى إلى تقديم باقة من النصوص المقدسية والمفاهيم الإسلامية التي كتبها وأسسها رحمه الله حول بيت المقدس والقضية الفلسطينية، لتكون مرجعًا لفهم الواقع، وأداةً لتحليله، واستشراف مستقبل الأمة.
وصدر كتاب “طوفان الأقصى وسنة الله” لعبد الصمد فتحي، عن “مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين للأبحاث والدراسات”- الإصدار 9، ويقع في 107 صفحة، الطبعة الأولى 1447ه/ 2025م. وقد قدم له البروفيسور الدكتور عبد الفتاح العويسي “المقدسي”.
مضامين الكتاب
إنه وفي ضوء الأطر النظرية المتعلقة بنشأة وزوال الدول، وشواهد التاريخ وحركته التي تؤكد بحتمية زوال كل احتلال -طال وقته أم قصر- ومع تسارع الأحداث في دول المركز والتطورات المحلية والإقليمية والدولية، فالواقع يؤكد أننا نسير بخطوات سريعة ومتسارعة نحو تحقيق وعد الله تبارك وتعالى… نسير نحو تحقيق وعد الله القوي العزيز، وحتمية زوال هذا الكيان المحتل للمسجد الأقصى.
كتاب “سنة الله” الذي تم تأليفه عام 1986م، لم ير النور إلا بعد عشرين عاما من كتابته. وقد اختار عبد الصمد فتحي تقديم قراءة من خلال أربعة فصول رئيسية وخاتمة. حاول فيه ربط الحدث التاريخي الفارق الذي مثله طوفان الأقصى بالسنن الربانية الحاكمة لحركة الأمم وصراع الحق والباطل. وهو لا يكتفي بسرد الوقائع أو تحليلها السياسي، بل يسعى إلى استنطاق الحدث في ضوء القوانين الإلهية التي تحكم قيام الدول وسقوطها، ونهوض الدعوات وابتلائها، كما بينها عبد السلام ياسين في كتابه “سنة الله”. وما استوقف عبد الفتاح العويسي، أن كتاب “سنة الله” هو استشراف للمستقبل بحديثه عن وعد الآخرة وبشارة رسول الله بعودة الخلافة على منهاج النبوة، استشراف للمستقبل على ضوء سنة الله.. وهكذا تناول الكتاب موضوع القومة والخلافة الثانية بل خصص خاتمة الكتاب للمستقبليات وجعلها تحت عنوان “بين يدي الساعة” تناول فيها المبشرات النبوية بانتشار الإسلام ووعد الآخرة ونزول عيسى عليه السلام وباقي أشراط الساعة. ومن هنا، تأتي أهمية هذا الكتاب لعبد الصمد فتحي في هذه المرحلة المفصلية لأمتنا المسلمة من تاريخها المستقبلي. (تقديم عبد الفتاح العويسي، ص: 5\6)
لقد حاولت القراءة تسليط الضوء على منهاج عبد السلام ياسين رحمه الله في الكتابة والتفكير، والذي يجمع بين العمق الفكري، والبعد التربوي والرؤية الاستراتيجية. مما يجعل كتاباته مرجعًا قيما لفهم التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم واستحقاقات المرحلة ومنهاج التغيير والتحرير.
وتتناول القراءة الأسس المنهاجية التي وضعها عبد السلام ياسين لفهم السنن، ثم تطبقها على مشهد طوفان الأقصى وعلى المقاومة الفلسطينية وحاضنتها الشعبية، مستكشفا معاني الصمود، والتمكين، والابتلاء، وسنن التداول الحضاري، ومآلات الصراع في ضوء وعد الآخرة، الوعد الإلهي بالاستخلاف والنصر. (مقدمة الكتاب، ص: 9\10)
وقد تضمن الكتاب بعد المقدمة، أربعة فصول رئيسية وخاتمة وهي كالآتي:
- الفصل الأول: عنونه بـ “بين يدي الكتاب”، وفيه؛ تعريف بالكاتب تعريفا موجزا وشاملا بأهم خصال الإمام عبد السلام ياسين مسيرته العلمية والدعوية، والجهادية، والتي تبصم هذا الكتاب.
كما يقدم هذا المحور نظرة إلى الإطار العام للكتاب من حيث حجمه، عدد فصوله، أسلوبه، وتنظيمه، مما يتيح فهما أوليًا لتركيبته. وقراءة فى السياق من خلال دراسة السياق الزمني والفكري الذي ألف فيه الكتاب، بما في ذلك التحديات والظروف الاجتماعية والسياسية التي قد تكون أثرت على محتواه ورؤيته.
- الفصل الثاني: عنونه ب “البناء النسقي”. ويسعى هذا الفصل إلى الإحاطة بالترابط النسقي داخل الكتاب، من خلال: تحليل العلاقة بين الفصول المختلفة. وفهم تسلسل الأفكار من المقدمة إلى الخاتمة. وكذا رصد الانسجام بين المواضيع المطروحة بما يعزز نسقية الكتاب.
- الفصل الثالث: عنونه بـ “البناء المنهاجي”. ويتناول هذا الفصل الكتاب على ضوء ستة خصائص للتفكير المنهاجي التي تؤطر تفكير وكتابة الإمام رحمه الله، بما يعكس منهجية شاملة في استقراء السنن الإلهية وربطها بواقع الأمة وتحدياتها، وطرح الحلول لتجاوزها.
- الفصل الرابع: عنونه بـ “طوفان الأقصى في ميزان سنة الله”. وتوج المؤلف هذه القراءة بمحاولة وضع طوفان الأقصى في ميزان تلك السنة، ليتأمله على ضوء ما بينه الإمام من دلالات وأبعاد ومضامين عميقة لهذا المفهوم الرباني. ومن خلال هذا الطوفان، سعى إلى رصد مظاهر العلم والفساد الصهيوني، وتتبع معاني الابتلاء والنصر الإلهي، والاستبشار بالتنبؤ والتبشير النبوي الذي يفتح أمام الأمة آفاق الأمل بوعد الله الحق.
وختم هذه القراءة بدراسة مقارنة بين ما طرح في كتاب سنة الله منذ أربع عقود وبين الواقع، مع إبراز الأثر العميق للكتاب في رسم خارطة طريق للتغيير المنشود وانعكاسات طروحات الكتاب على واقعنا الحالي، من خلال نظرات تقابلية ونقدية.
خاتمة
لقد سجلت القراءة خلاصات عامة تضاف إلى ما استخلص من معركة طوفان الأقصى وذلك في إطار التأمل في الواقع الراهن ومقارنته بما حفله الإمام عبد السلام ياسين قبل أربعة عقود. وتبرز أمام المؤلف نقاط تقابلية بينما كتب آنذاك وما نعاينه اليوم، يمكن تلخيصها فيما يلي:
- اتساع رقعة المواجهة والحرب على الإسلام. فلقد انكشفت الحرب على الإسلام واتضح أن “وعد الآخرة”، كما أكد الإمام عبد السلام ياسين، هو مواجهة كبرى بين الحق والباطل، بين الإسلام والجاهلية، وأن هذه المواجهة لم شهد تكن منحصرة في أفغانستان أو فلسطين فحسب، بل امتدت إلى نطاق أوسع.
- استمرار سنة الله في نصر المؤمنين. فأثناء كتابة “سنة الله”، كانت انتفاضة الحجارة في بداياتها، واليوم، ومع مرور الزمن تبهر المقاومة وحاضنتها الشعبية العالم بإنجازات “طوفان الأقصى”.
- استقرار سنة الله في الابتلاء والتداول. تتجلى هذه السنة في محنة الفلسطينيين، فمن النكبة والنكسة إلى ” طوفان الأقصى”، الذي يقدم مشاهد غير مسبوقة من الصمود والثبات في وجه محنة عظيمة، تتحول بمنة الله إلى منحة أعظم.
- العلو الصهيوني واختراق لدول أمتنا. تحدث الإمام عن العلو الصهيوني، أسبابه وامتداداته وأهدافه، وتجلياته في معركة “طوفان الأقصى”.
- تباشير انتشار الإسلام. بجانب جراح الأمة التي هي ابتلاء وامتحان، تلوح تباشير النصر كما بشر بها الكاتب، مستندا وعد الله وبشارة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وتتجلى هذه التباشير في انتشار الإسلام وتوسع قواعده.
- تحالف أحرار العالم. أكد الكاتب، في إطار المواجهة مع الصهيونية العالمية، ضرورة الانفتاح على أحرار العالم، وأن تستند معركتنا إلى أرضية حقوق الإنسان لمواجهة الإجرام والكراهية والتطرف الصهيوني، دفاعًا عن كرامة الإنسان وتحقيقا للسلم والأمن الدوليين.
- شباب الصحوة نحو الرجولة استبشر الإمام يجيل الصحوة الإسلامية في الثمانينات[1]. ورأى فيهم خيرا لتحقيق مشروع التحرير والتغيير، وشدد على أن تكون الصحوة الإسلامية روحًا سارية في قواعد الأمة، تواجه الصهيونية روح الجاهلية.
- الدعوة والدولة. تزين المشهد السياسي بتأسيس حركات إسلامية، وانخراطها في حمل عبء مسؤولية الدفاع عن شعوبها ومسؤولية الدولة. فلاح بريق النصر مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، كما تسلم الإسلاميون الحكم في دول اضطرت إلى تطبيق الديمقراطية ولو شكليا. وحملت ثورات الربيع العربي الإسلاميين إلى الحكم. إلا أن هذا الأمل لم يكتمل بسبب الثورات المضادة، والإخفاق في اغتنام الفرص التاريخية، وسوء إدارة التغيير وتدبير المرحلة الانتقالية بفعالية. فضلا عن تخلي الحركات الإسلامية عن صحبة الشعب وذوبانها في دواليب الدولة، مما جعلها تفشل في بناء علاقة حكيمة تمكنها من التأثير في سياسات الدولة دون أن تتحمل إخفاقاتها وإكراهاتها. (الكتاب، ص: 101\105)