المحتويات
مقدمة
يُعد الأحمر بن منصور الأحلافي المذكوري، المعروف بلقب “السلطان الأحمر” أو “القائد الأحمر”، أحد أبرز وأصلب رموز المقاومة المغربية ضد الاحتلال الفرنسي في مطلع القرن العشرين. بزغ نجمه كقائد عسكري فذ وزعيم قبلي ذو نفوذ واسع، حيث قاد قبائل المذاكرة والشاوية في انتفاضتها التاريخية عام 1907، مدافعاً عن سيادة البلاد في وجه الزحف الاستعماري الذي أعقب قصف الدار البيضاء.
تميزت سيرة هذا المجاهد بصلابة الموقف والزهد في المناصب؛ فقد رفض كافة إغراءات الفرنسيين وعروضهم لكسب وده، مؤكداً أن جهاده نابع من رفض استعباد مواطنيه. وعلى مدى عقود من الكفاح، تنقل بين ميادين القتال من سهول الشاوية إلى جبال الأطلس المتوسط. وظل نموذجاً للمجاهد الصامد الذي لا يلين حتى وفاته متأثراً بجراحه عام 1928، ليتحول إلى رمز وطني خالد في الذاكرة الشعبية المغربية.
ولادته ونشأته
الأحمر بن منصور، المعروف أيضًا بـ الأحمر بن منصور الأحلافي المذكوري[1]، هو قائد مغربي مناهض للاستعمار. ويُوصف بأنه مجاهد صلب ضد الاحتلال الفرنسي للشاوية. وقد اختلفت الروايات في سنة ولادته لكن المرجح أنه وُلد سنة 1864[2]، في منطقة الأحلاف (التي كانت تسمى المحَرْڭـة) ببلاد المذاكرة في الشاوية. يعود أصله إلى قبيلة المذاكرة، وينتمي تحديداً إلى فرقة الأحلاف منها. وقد عُرف بلقب “السلطان الأحمر” أو “القائد الأحمر” (Le Sultan Rouge / Le Caïd Rouge)، ويُرجح أن هذا الاسم اكتسبه من لون بشرته الداكنة أو “الحمراء” نسبياً.
نشأ الأحمر بن منصور وسط عائلة مشهورة بالشجاعة والبَسالة، وهي صفة تأكدت خلال جهاده. فوالده منصور كان على نفس أخلاق وعزة والده (جده البشير). وتتلمذ منذ طفولته المبكرة على حفظ القرآن الكريم في الصباح، وممارسة فنون الفروسية والحرب في السهل والغابة في المساء. كما تعلّم الفلاحة والتجارة. وكان مهاباً في هيئة الأبطال، هادئاً، لكن صوته كان يتحول إلى رعد عند الغضب. امتلك نَزالة باسمه (قصبة) كانت محجاً للفقراء. وتزوج الأحمر بن منصور سبع عشرة زوجة، منهن ابنة عمه الكردة (التي أنجبت له الحسن والجلالي) وخديجة بنت المكناسي والفاسية الحيانية[3].
مواقفه من أحداث زمانه
شهد المغرب بعد وفاة الحسن الأول حالة من الفوضى والاضطراب. وقد انسحبت قبائل الشاوية من البيعة للسلطان المولى عبد العزيز منذ عام 1901 تعبيراً عن رفضها لضريبة الترتيب، التي استبدلت الزكاة والعُشر والضرائب المخزنية القديمة. ودخلت الشاوية في حالة “بلاد السيبة”[4].
نتيجة لرفض ضريبة الترتيب، ردت قبائل الشاوية على محاولة تطبيقها بنهب مدن سطات ثم برشيد، وتفشت أعمال اللصوصية والنهب في البلاد. وكان الأحمر بن منصور من رموز الجهاد في الشاوية. وقاد الشيخ محمد بن الطيب الشاوي البوعزاوي (صديق الأحمر بن منصور) حركة ضد “التُجّار المحميين” (الأجانب) في عام 1894م، وواصل حملات التوعية بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء 1906. وقد استغل الشاوية، المتمردون على المخزن، ثراءهم لشراء الأسلحة والذخائر، وكانوا معادين للفرنسيين.[5]
تزايد الإستياء الشعبي في الدار البيضاء في عام 1907 بسبب وجود العملاء الفرنسيين ومشاريع التشييد الاستعمارية المكثفة. وفي 30 يوليو 1907، ازدادت الاضطرابات، وفي اليوم التالي قُتل تسعة عمال أجانب يعملون في شركة الأشغال بالميناء، مما شكل ذريعة للحرب. ورداً على ذلك، بدأت البحرية الفرنسية بقصف المدينة يوم 5 أغسطس 1907، مما أدى إلى تدميرها بالكامل تقريباً ومقتل ما بين 1500 إلى 7000 شخص. وصلت السفن الحربية الفرنسية، بما في ذلك “ﯖاليلي” و”كوندي” و”أميرال أوب”. وفي أعقاب القصف، نجحت القوات الفرنسية بقيادة الجنرال درود والأميرال فيليبر في السيطرة على المدينة يوم 7 أغسطس.[6]
مشاركته في قيادة معارك المقاومة
عند دخول الفرنسيين بعد حادثة البابور (السفينة) في شهر غشت 1907، ركب الأحمر بن منصور فرسه، وتوجه خلفه أهل المذاكرة نحو الدار البيضاء. كان الأحمر بن منصور أحد قادة المقاومة في الشاوية، إلى جانب قادة آخرين مثل عمرو لغنمي ومحمد بن الطيب البوعزاوي. كان الأحمر بن منصور يقود عسكرياً فرقة “الرمى” (فرقة الأحلاف).
شارك الأحمر في المعارك التي دارت ضد الفرنسيين، بما في ذلك:
- معارك الدار البيضاء (1907–1908): شهدت ضواحي الدار البيضاء، من مديونة إلى القريعة وعين الشق، مواجهات عنيفة بين المقاومة المغربية والقوات الفرنسية، شكّلت البداية الفعلية للتصعيد العسكري في الشاوية.
- معركة سطات الأولى (15 يناير 1908): هاجمت قبائل المذاكرة بقيادة الأحمر بن منصور القوات الفرنسية القادمة من برشيد، وفاجأ الفرسان المغاربة العدو بهجوم خاطف. تكبد المغاربة خسائر بشرية مهمة، من بينها مقتل القائد القرشي بن الرغاي، غير أن الخسائر الفرنسية كانت أكبر، حيث سقط نحو 30 قتيلاً وجريحًا، من بينهم الضابط كروتيل.
- معركة عين مكون (24 يناير 1908): ردًا على هزيمته في سطات، حاول الجنرال داماد معاقبة قبائل المذاكرة بخطة تطويق عبر طابورين عسكريين، لكنها فشلت بسبب كمين مغربي محكم في موقع عين مكون الوعر، ما اضطر الفرنسيين إلى الانسحاب والتخلي عن استعمال المنطاد الاستطلاعي.
- معركة دار القصيبات (2 فبراير 1908): هاجمت القوات الفرنسية دواوير بدعوى دعمها للمجاهدين، ونهبت قطيعًا كبيرًا من الماشية. غير أن المجاهدين استعادوا القطيع، وحاصروا القوات الفرنسية، التي لم تنجُ إلا بوصول تعزيزات من برشيد، مخلفة وراءها عتادًا وذخيرة.
- معركة سطات الثانية – سيدي الجبلي (5–6 فبراير 1908): دخل الفرنسيون سطات بعد قصفها وتدمير أحيائها الشعبية، واشتبكوا مع المجاهدين على جبهة واسعة. ورغم احتلال المدينة، لم يحققوا نصرًا حاسمًا، واضطروا إلى التراجع بعد خسائر بشرية.
- معارك برابح وسيدي عبد الكريم – يوم السدرة (16–18 فبراير 1908): خطط داماد لمحاصرة قبائل المذاكرة بثلاثة طوابير، لكن المقاومة أفشلت الخطة بهجمات متزامنة في برابح وسيدي عبد الكريم. كادت القوات الفرنسية تُمنى بهزيمة كبرى، واضطرت إلى الانسحاب ليلاً، مسجلة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
- معركة فخفاخة (29 فبراير 1908): جمع داماد قواته في هجوم واحد واسع، فواجه مقاومة شرسة من الفرسان والمشاة المغاربة. أبان الفرسان المغاربة عن مهارة عالية في القتال المتحرك، وأصيب القائد الأحمر بن منصور. انتهت المعركة بخسائر فرنسية فادحة، خاصة في سلاح الفرسان، واضطر داماد إلى الانسحاب نحو الدار البيضاء.
وبعد فشل حملاته العسكرية، انتهج داماد سياسة انتقامية ضد المدنيين، فارتكب مجازر مكارطو (8 مارس) وسيدي الغليمي (15 مارس)، قُتل فيها أكثر من 2000 مغربي، معظمهم من النساء والأطفال.
- معركة سيدي عسيلة (29 مارس 1908): حاول الفرنسيون إنشاء ملحقة عسكرية للسيطرة على المذاكرة، لكنهم تعرضوا لهجوم عنيف استُخدمت فيه المدفعية المغربية. ورغم التفوق الفرنسي، تكبدوا خسائر مهمة، وسقط ضابطان بارزان.
- معركة سطات الثالثة (7–8 أبريل 1908): دخل الفرنسيون سطات دون مقاومة، لكنهم تعرضوا لهجوم مغربي ليلي عنيف. انتهت المعركة بتراجع المحلة الحفيظية، مع تسجيل خسائر بشرية في صفوف الفرنسيين.
- معارك الغابة الأولى (11 ماي 1908): واصلت قبائل المذاكرة هجماتها على المراكز الفرنسية وقوافل التموين. فشل هجوم فرنسي واسع داخل الغابة، واضطرت القوات إلى التراجع بعد خسائر بشرية.
- معركة الغابة الثانية (16 ماي 1908): دارت معركة حاسمة على جبهة طويلة داخل الغابة، استُهدفت فيها خيام النازحين والمجاهدين. تكبد الفرنسيون خسائر مهمة، لكن المغاربة فقدوا عددًا من قادتهم، من بينهم محمد بن العربي المذكوري، ما شكّل ضربة قوية للمقاومة[7].
السلطان الأحمر.. استراحة محارب
بسبب الضغط العسكري الفرنسي الشديد وتغلغلهم في بلاد الشاوية، اضطر المقاومون للتراجع والانسحاب. بعد مشاورات مع موحا أوحمو الزياني، توجه الأحمر بن منصور إلى بني خيران (إقليم خريبكة).
وقد تحالف الأحمر بن منصور وقواته مع قوات المولى عبد الحفيظ. بعد المعارك المتعددة ورغبة المولى عبد الحفيظ في إيقاف إراقة الدماء، بعد إيحاءات فرنسية بالانسحاب من الشاوية، انتقل الأحمر بن منصور إلى فاس إلى جانب قادة آخرين مثل ولد بوعبيد والشيخ البوعزاوي. بقي الأحمر بن منصور في فاس تقريباً بين 1911 و 1915.
بعد توقيع معاهدة الحماية في عام 1912، غادر الأحمر بن منصور فاس. انضم إلى الجهاد في الأطلس المتوسط وقدم الدعم لموحا أوحمو الزياني في مقاومته. ثم عاد إلى المذاكرة بجروح كثيرة.
استقر الأحمر في نزالة (قصبة) الأحمر، وظل رافضاً تماماً للاحتلال. وقد رفض عروض الفرنسيين لكسب وده وإعطائه ألقاباً مغرية، مؤكداً أنه يحارب لاستعباد مواطنيه من قبل فرنسا. كرس وقته لحماية كل من يتردد عليه أو يسكن بجواره دون أن يتمكن الفرنسيون من الوصول إليه. ولم يكن يسلم على الفرنسيين أو يراهم. وتشير مصادر إلى مشاركته لاحقاً في معركة أنوال.
وفاته
توفي الأحمر بن منصور يوم خميس من شهر أكتوبر سنة 1928، في نَزالة الأحمر. ويُروى أنه مات مصاباً بأكثر من سبع رصاصات، أو أربعة عشر إصابة في جسده. ودُفن هناك.
المراجع
[1] موسوعة معلمة المغرب، إنتاج الجمعية المغربية للتأليف و الترجمة والنشر، نشر مطابع سلا 1989، الجزء الأول، الصفحة: 181.[2] شهادة حفيده عبد الهادي بمنصور رئيس جمعية الأحمر بن منصور للثقافة و التنمية.
[3]مقال: الأحمر بن منصور فارس الحروب القدرية للدكتور شعيب الحليفي، منشور بعدة مواقع إلكترونية.
[4] العروي الهادي، القبيلة الإقطاع و المخزن، مقاربة سوسيولوجية للمجنمع المغربي الحديث 1844-1934، أفريقيا الشرق، طبعة 2010.
[5] علال الخديمي ، التدخل الأجنبي و المقاومة بالمغرب 1894– 1910.. حادثة الدار البيضاء و احتلال الشاوية، افريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 1994.
[6]م جموعة من المؤلفين، المقاومة الوطنية في الشاوية، سلسلة : دفاتر الشاوية، منشورات مؤسسة تامسنا للدراسات والأبحاث حول الشاوية، طبعة دار القرويين – الدار البيضاء، 1999.
[7] علال الخديمي، التدخل الأجنبي و المقاومة بالمغرب, 1894 – 1910.. حادثة الدار البيضاء و احتلال الشاوية، أفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 1994.