توطئة

كان العلّامة محمد بن المؤقت (تــ. 1949) مِن العلماء المغاربة السبَّاقين إلى التّأليف والنّشر قيْد حياته، وإتاحة الفرصة للقرّاء على اختلاف مشاربهم لمناقشته ونقْدِه في مشاريعه التي نشَرها عن طريق مَطابع القاهرة في ذلكم الوقت. كما انشغل بالأدب والشعر والنَّثر والتراجم والتاريخ والشريعة والتصوّف، فخلّف فيها مصنّفات غزيرة.

إنّ كَفاءة العلامة ابن المؤقِّت في التّعبير عن عظمة المغرب الأقصى، تاريخا وفكرا وشِعراً وأعلاماً وعمراناً لا يجادل فيها اثنان، فقد انكبّ الرجل لسنوات عديدة على التَّدوين والكتابة والتقييد، وكان من نتائج ذلك؛ موسوعة علمية فريدة متكوِّنة من ستة كُتُبٍ بالغة الأهمية من جهة المضمون والأسلوب والمعطيات.

تواريخٌ ومواقيتٌ؛ سَـعة تأليفية مُدْهِشة

كُتُب العلّامة ابن المؤقِّت ذات الصلة بحقل التاريخ عديدةٌ ومتنوِّعة، وجهوده في العناية بالمواقيت واليواقيت والأزْمنة والتواريخ مبثوثةٌ في عمَلِه الهام “إرشاد الشّيخ والشارخ لملخص بعض التواريخ”،[1] إلا أنّ موسوعته الجامِعة المانعة “مجموعة اليواقيت العصرية”[2] جاءت ناسِخةً لكل تلك الجهود، ومهيمِنة عليها. ومُقدِّمةً كنزا ثريا من المعلومات والمعطيات للإعلاميين والصحفيين والمؤرخين والباحثين والروائيينَ والمشتغلين في حقْل الإنسانيات والوثائقيات وغيرها ممن يمكنكم الإفادة من هذا العمل الضخم الذي ضَمّ سِتَّ كُتُبٍ “تُدهِش الألبابَ، ويقضي فيها العقل بالعَجب العُجاب. قد انطوت على تواريخ عديدة، ونوادر مُفيدة، ومآثر خالدة، وعِبَر شاهدة، وغرائب واقعةـ وعجائب ساطعة، وحوادث دامغة، ومواعظ بالغة، تَـهـب الأفكار تَوسُّعا ولنفوس تَطلُّعا”[3]. من أجوَد ما أَنْتَج مُثقفٌ إصلاحي بمغرب الحماية جادت أفكاره بجواهر المعارف.

مضامين الموسوعة

من الغابِر إلى الحاضِر

تَضَمَّنَ الكتابُ الأوّلُ مِن المجموعة وعنوانه “الاستِبْصَار في ذِكْر حوادث الأعصار”؛ معطياتِ مُعظَمِ وأهَمّ الحوادث التّاريخية في المائة الأولى مِن الهجرة، وصولا إلى المائة الرابعة عشر. ضمّنَها حديثاً عن أسباب الفتنة الأولى في صدر الإسلام، مرروا باستيلاء العُبيديين على مصر، وغزو الإفرنج للشام واحتلالهم للقدس، وقيام الأمير صلاح الدين الأيوبي لمقاتلتهم واسترداده مدينة القدس الشريف سنة 1187، واجتياح التَّـتر للمشرق الإسلامي ودخولهم بغداد، وقيام العثمانيين بفتح القسطنطينية.. عُروجا على بعض الأحداث التي شهدتها ساحة المغرب الأقصى، كظهور المهدي محمد بن تومرت وقيادته للانقلاب الموحِّدي على الدّولة المرابطية، وثورة ابن أبي الطواجين في منطقة غمارة، وضياع الأندلس، واحتلال البرتغاليين لسواحل الشمال المغربي، وتَصدَّي الأشراف السَّعديين الناجح في معركة وادي المخازن، وأنهاه عند تنازل السلطان العلوي عبد العزيز بن الحسن عن العرش سنة 1908م.

فيما جَاء الكتاب الثاني[4] “تَلخيصا مُعْرِبًا عن جغرافية المغرب، ممزوجا بذِكر بعض الأمصار وما لها من الـمَفاخر والمآثر، ليكون بذلك نُزهة للخواطر، وبَهجة الـمَسامِع والـمَناظر”[5]، مدقِّقا القول عن الحدود الجغرافية للمغرب الأقصى وأوديته وأنهاره وجباله ومَراسيه، وأشهر مُدنه وعواصمه، وسُكانه ومواليده، وتاريخه.

الأعلام السلطانية والشخصيات الـمُلُوكية

أفرَد ابن المؤقِّت الكتاب الثالث من مجموعته لموضوع “نُزهة المالك والمملوك في تَراجم مشاهير الملوك” جَرْيًا على تقليد عريق لدى كثير من الإخباريين في المشرق والمغرب، عَنُوا بتراجم أعلام الأُسَر المالكة والسلاطين والـحُكّام؛ (أفرَدَه) للحديث عن الجوانب السياسية والعمرانية والإصلاحية لثُلّة من مشاهير خلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس، وأمراء الأدارسة، ومشاهير أمراء الـمرابطين، وقافلة من خُلفاء الدولة الموحدية، وإنجازات أهمّ سلاطين المرينيين والسعديين والعلويين، وُصُولاً إلى شخصية السلطان محمد بن يوسف المتوفى سنة 1961م.

تأريخٌ للآدمية والدِّيانة الإسلامية

بذَل ابن المؤقت في كتابِ “إرشاد الشّيخ والشّارخ لملخَّص بعض التّـوارِيخ” جُهْدًا مُضنيا تَطلَّب العودة لأمهات المصادر في التَاريخ الإنساني.

ذكَر محمد بن المؤقت في هذا العمل الهام مُلَخَّصا عن أخبار الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام مِن لَدُن آدم إلى خاتم الرُّسل صلى الله عليه وسلّم، ونُتَفا مِن التّاريخ العربي والشّهور العربية، والسَّنة الإفْرَنجية (الميلادية)، وفُصول السنة الأربعة. ثم ميَّز فروقاتِ التّاريخ القديم عن التّاريخ الجديد، وأوْرَد نصوصا نَفيسة في موضوع التّاريخ عند العرب، ومُلَخَّصا عن سيرة الخُلفاء الراشدين وأشهَر غَزواتهم. ومِثْلَه عن تاريخ مُلوك العَجَم، ومُلوك الشَّرق وتَواريخ جُلوسهم ووفياتهم، وقائمة بأسماء وُلاة مِصر منذ عهد الفتح الإسلامي. كما عَرج على ذِكر أشهر خُلفاء الدّولة العثمانية وأعمالهم ومنجزاتهم الدينية. دون أن يَغفُل عن تَقديم مُلخَّص عن تاريخ المغرب الأقصى وبَعض مُلوكِه، وأيضا تاريخ تونس والجزائر، ومسيرة تاريخ الإسلام من عهد البِعْثَة النبوية الشريفة إلى القرن الرابع عشر الهجري.

تأريخٌ للروّاد والأعلام

نحا ابن الـمؤقِّت في “الضِّياء المنتشِر في وفيات أعيان القرن الأول إلى القرن الرابع عشر”، منْحًى آخرَ مِن اليواقيت العصرية، هَـمّ طَبقة فحول العلماء والخطباء والفقهاء والأعيان الذين غصَّ بهم تاريخ المغرب الأقصى منذ القرن الأول للهجرة.

لقد حاوَل الـمُؤَلِّفُ جُهدَه لرَصْدِ وتَدقِيق تَواريخ أَهَمّ الشّخصيات الدّينية والعِلمية والثّقافية التي قَضَت نَحبَها فيما بين القرن الأول للهجرة والرابع عشر. فذَكَر قوائم بأسماء وفَيات الصّحابة العَشرة المُبشَّرين بالجنّة، ووفيات بَعض مشاهير الصّحابة الكرام، ووفيات التّابعين الذين اشتَهَروا بالتَّقوى، وأتباع التّابعين الذين اشتَهَروا بالفَتوى، ومشاهير علماء العالم الإسلامي بِرُمّته، والمغرب الأقصى في القرون الثالثة والرابعة والخامسة وُصولا إلى القرن الرابع عشر الهجري.

إمتاعٌ للقارئ والـمُتابِع

أما الكتاب السّادس مِن “المجموعة” فجاءَ طَريفاً في بابه، أقربَ إلى عالم الأُسطورة، جَمع فيه ابن الـمؤقِّت متفرِّقات وغرائب وعَجائب الأخبار، ودَالاًّ أيضاً على سَعة اطّلاعه وبراعة قلَمه، الذي تَوَسَّع خارج مجال الأدب والفقه والتّاريخ إلى الشِّعر والقَصص والخيال الأدبي، فأتى كتابه “تَليين الطَّبع في ذِكْر ما يَسرُّ السَّمع” فيه “مِن عَجائب الوقائع وغرائب البَدائع ما يُطْرِب السامع، ويُشنِّف المَسامع، فُكاهةً للإخوان الرّاغبين في سَماع ما يَسُرُّ فِكْرتهم في السِّر والإعلان”.[6]

خاتمة

لقد خَدم ابن الـمؤَقِّت الأجيال اللاّحِقة بأنْ بصَّرهم بتواريخ مَضت، وأعمالٍ اكْتَسَبها السّابقون وطَبعوا بها مَسار تاريخ المغرب الأقصى، وأعانهم على قراءة ذاتهم وماضيهم وتُراثهم الغنيّ، فصَان ذاكرتنا التاريخية وحَمى خصوصيتنا الثقافية، وعَـبَّرَ عن قيمة ومكانة علم التاريخ والمؤرخينَ في حضارتنا.

المراجع
[1] (المراكشي) محمد بن المؤقِت: "السّعادة الأبدية في التّعريف بمشاهير الحضْرة المراكشية"، مراجعة وتعليق أحمد متفكر، الطبعة الثانية، مراكش، مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال، المطبعة والوراقة الوطنية، 2011، ص: 14
[2] (المؤقِّت) محمد بن عبد الله: "مجموعة اليـواقيت العصرية"، مطبعة مصطفى بابي الحلبي وأولاده، مصر، طبعة 1930.
[3] مجموعة اليـواقيت العصرية، مرجع سابق، ص: 2.
[4] (المراكشي) محمد: "الـمُعْرِب عن مَشاهير مُدن المغرب"، الطبعة الأولى، مصر، ضمن مجموعة اليَواقيت العصرية، طبعة 1930.
[5] مجموعة اليـواقيت العصرية، مرجع سابق، ص: 85.
[6] "مجموعة اليواقيت.."، نفسه، ص: 231.