المحتويات
توطئة
ابن عبد الملك المركشي، صاحب كتاب “الذيل والتكملة”، إحدى الشخصيات العلمية في تاريخ المغرب والأندلس. وتعتبر موسوعته التاريخية “الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة” من أعظم ما كتبه الكاتب حول تراجم عدد من العلماء المغاربة والأندلسيين. ورغم انشغال ابن عبد الملك بالترجمة لغيره من العلماء فإن حظه من الترجمة والتعريف في المصادر التاريخية يبقى محتشما ولا يليق بمكانته العلمية والتاريخية. وعاش من ابن عبد الملك في فترة حرجة من تاريخ الدولة الموحدية حيث بدأت أسس الدولة تنهار شيئا فشيئا مع تسارع استيلاء المرينيين على أجزاء كبيرة من المغرب. فقد عاش في فترة من الاضطراب التي ميزت أواخر دولة الموحدين وبداية دولة المرينيين. وصفه ابن الزبير الغرناطي في “صلة الصلة” بقوله: “وكان، رحمه الله، نبيل الأغراض عارفا بالتاريخ والأسانيد، نقادا لها.. أديبا بارعا شاعرا مجيدا… ذا معرفة بالعربية واللغة والعروض ومشاركة في الفقه”.[1]
النسب والنشأة
ابن عبد الملك المراكشي، هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن سعيد. وذكرت كثير من المصادر التاريخية نسبته: الأنصاري الأوسي المراكشي. فهو إذن ينتمي إلى، من جهة أبيه، إلى بيت من بيوت الأنصار الأوسيين الذين عرفت مدينة مراكش في عصره عددا منهم[2]، ولا يعرف العصر الذي استقر فيه أسلافه بالمدينة. لكن والده كان من أعيان المدينة، ومن أهل العلم والصلاح، ومن المقرئين الذين كانت لهم مكانة في مراكش. أما أمه فهي بنت محمد بن أحمد القيسي المعروف بالفاسي أو ابن الفاسي. ويبدو أن هذه الأسرة الفاسية انتقلت إلى مراكش بعد قيام دولة الموحدين. وجدته لأمه هي أخت الحرة مريم زوج الخليفة الموحدي يوسف بن عبد المومن. وهذه العلاقة هي التي تفسر الحظوة التي تمتع بها أخواله ووالده تبعا لذلك لدى الخليفة يوسف ابن عبد المومن ولدى أولاده من الحرة مريم.[3]
ولد ابن عبد الملك في 11 من ذي القعدة عام 634هـ/1237م. وفي بيئة عائلية متسمة بالعلم والصلاح نشأ وتربى ابن عبد الملك وتلقى تعليمه الأولي، حيث كان بيت والده مجمعا لأهل العلم. ورغم ندرة المعلومات حول طفولته المبكرة فالراجح أنه تلقى المبادئ الأولى للتعليم على يد والده الذي كان من شيوخ الإقراء، وقد يكون تردد إلى كتاب من الكتاتيب، وذلك على عادة أبناء المغاربة في ذلك العصر، وبذلك يكون قد حفظ القرآن مبكرا. كما تلقى عدد من علوم الفقه وأصوله، وعلوم القرآن واللغة والأدب، وكذا الحساب والحديث على يد عدد غفير من كبار علماء ذلك العصر وقد نبغ في ذلك نبوغا كبيرا، وذلك على الرغم من وفاة والده في وقت مبكر من نشأته، حيث توفي والده عام 651هـ وسن ابن عبد الملك لا يتجاوز 15 سنة تقريبا. ومن الشيوخ الذين أخد عنهم، سواء بالسماع أو القراءة أو الإجازة، نذكر بعضهم كما يلي: أبو زكرياء يحيى بن أحمد بن عتيق، وأبو القاسم أحمد بن محمد البلوي، وأبي الحسن الرُّعيني وشقيقه أبي محمد الرعيني، وأبو محمد حسن ابن القطان، وأبو إسحاق إبراهيم ابن القشّاش، وأبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى (المعروف بالشريف)، وكل هؤلاء أخذ عنهم في مدينة بمراكش. كما كان له اتصال ببعض الشيوخ من المغرب والأندلس، وجالسهم وأخذ عنهم: كأبي عبد الله ابن الطّراوة، وأبو عبد الله محمد بن علي بن هشام، وأبو الوليد محمد بن إسماعيل بن عُفير الأموي، وأبو الحسن الجَيّاني الإشبيلي، وأبو الحجاج يوسف بن احمد البلنسي، وأبو عبد الله الرُّندي (المعروف بالمسَلهم)، وغير هؤلاء من الشيوخ الذي درس عنهم في مدن ومناطق مغربية عدة: كآسفي، وسلا، وفاس، وسبتة وتلمسان. كما رحل إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس وفيها لقي عددا ن العلماء أو أجازوه كابن الزبير الغرناطي، وابن الناظر الغرناطي، وأبو جعفر الطباع الغرناطي..، وزار عددا من خزائنها الخاصة. يضاف على هؤلاء عدد من العلماء من افريقية والقاهرة ودمشق الذين تلقى إجازات.[4]
سمحت له البيئة العائلية والاجتماعية لابن عبد المالك بتملك تكوين علمي وأدبي رصيد، كما مكنته من ربط علاقات وثيقة مع شخصيات وعائلات ذات نفوذ سياسي وعلمي، الأمر الذي يفسر سعة اطلاعه على كم كبير من المؤلفات والوثائق والمصادر التاريخية في نسخها الأصلية وبخطوط أصحابها.[5] ولأن ابن عبد الملك كان من هواة جمع الكتب والمخطوطات، فقد كان مولعا بالرحلة للبحث عن نفائس المؤلفات، فاجتمع له كم وافر وهائل من الكتب والمؤلفات، حيث شد الرحال على عدد من حواضر المغرب وبواديه، فقد انفق أموال طائلة في اقتناء نفائس الكتب وذخائر المؤلفات.
الوظائف والمسؤوليات
أدرك ابن عبد الملك أواخر الدولة الموحدية، وهي فترة تميزت بالاضطراب الشديد وغياب الأمن وانتشار الفتن وتفتت الدولة الموحدية، وظهور بنو مرين. وقد عاش في عهد الموحدين 44 سنة فعاصر حكم أربعة من خلفاء الدولة الموحدية وهم: الرشيد، والمعتضِد أبو السعيد، والمرتضى، والواثق. كما أدرك في الطور الثاني من حياته، ومدته 36 سنه في عهد بني مرين.
كان القسم الأكبر من حياته في الفترة الفترة الموحدية قد قضاه في الدراسة والتحصيل العلمي والرواية والتدوين. وبعد امتلاك الأدوات العلمية المناسبة وتفوقه خاصة في مجال التدوين والتوثيق، انفتحت له أبواب عدد من الوظائف الرسمية فاشتغل في الخطط الشرعية كالتوثيق والقضاء، كما عمل بالكتابة الديوانية.
أما في فترة حكم بنو مرين فقد تيسر لابن عبد الملك مجالسة ومخالطة عدد من الأدباء وكان بعضهم على صلة وثيقة بالدولة الجديدة. كما يبدو أنه شغل منصبا قضائيا بمدينة أغمات في عهد السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق. وولي خطة قضاء الجماعة بمدينة مراكش في عهد السلطان يوسف بن يعقوب المريني (685-706هـ).[6]
وفاته وآثاره الفكرية
قضى ابن عبد الملك السنوات الأخيرة من حياته متنقلا بين أغمات وتلمسان. وفي هذه الأخيرة توفي في أواخر محرم من عام 703هـ/1303م، وقد كان ضمن محلة السلطان يوسف بن يعقوب المريني التي كانت تحاصر مدينة تلمسان.
وقد خلف إرثا أدبيا وعلميا كبيرا. فقد أسعفته ثقافته وتكوينه العلمي الرصين في النبوغ في عدد من الأصناف العلمية خاصة في علوم القرآن والقراءات وعلوم الحديث وأسانيده، وفي علم الكلام وأصول الفقه والأدب واللغة والعَروض والتاريخ. وعكس مؤلفه”الذيل والتكملة” سعة علمه، والذي عكف على تأليفه عمرا مديدا مستفيدا من اطلاعه الواسع على المصادر والوثائق التاريخية. وتحول “الذيل والتكملة” إلى مصدر تاريخي لا غنى عنه لكثير من الإخباريين والمؤرخين الذين جاؤوا بعده كابن عذاري، وابن الخطيب وابن أبي زرع، وابن خلدون والسيوطي… وتدوول الكتاب بين العلماء بعد وفاته مؤلفه، وعرف وقرئ بمراكش وفاس وسبتة وتلمسان وتونس وغرناطة منذ مطلع القرن الثامن، واستعمل بالمشرق في القرن التاسع.[7]
وقد سمي الكتاب بهذا الإسم لأنه تذييل وتكميل لكتاب “تاريخ علماء الأندلس” الذي سماه بالموصول لابن الفرضي، وكتاب “الصلة في تاريخ أئمة الأندلس” لابن بشكوال. ويقع الكتاب في ثمانية مجلدات، خصصت لترجمة أعلام الأندلس، وأعلام المغرب الذين دخلوا الأندلس. فهو من أكبر معاجم الأعلام في بابه.
أما في مجال الحديث والفقه ألف ابن عبد الملك كتابا آخر هو: “الجمع فيه بين كتابي ابن القطّان وابن الموّاق على كتاب (الأحكام) لعبد الحق ابن الخرّاط”. وهذا الكتاب تذييل وتكميل لثلاثة أعمال وهي: الأعمال الكبرى” لعبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، وكتاب “بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام” لابن القطان الفاسي، وكذا كتاب “تعقيب ابن المواق على ابن القطان”.
ومن مؤلفاته المفقودة كتاب “الجامع في العَروض”، ومقالة في ضبط عنوان كتاب “الملخّص” لأبي الحسن علي القابسي، ومقالة حول كتاب الأربعين حديثا للملّاحي. كما له تقاييد ورسائل في موضوعات مختلفة، وكذا قصائد ومقطوعات شعرية متعددة.[8]
المراجع
[1] الغرناطي ابن الزبير، صلة الصلة، المجلد 3، الترجمة 35، تحقيق شريف أبو العلاء العدوي، مكتبة الثقافة الدينية، ط1ن، 2008، القاهرة، ص 22.[2] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، تحقيق إحسان عباس ومحمد بن شريفة وبشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي-تونس،ط1، 2012، ص: 6.
[3] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق، ص 8-10.
[4] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق، صص 15-55.
[5] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق، ص 11.
[6] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق، ص 88-91.
[7] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق، ص 125.
[8] أنظر: مقدمة تحقيق كتاب "الذيل والتكملة"، المجلد الأول، مرجع سابق.