توطئة

بعد أن أصدر ديوانه الزجلي الأول بالعامية المغربية الذي عنونه ب “جنان لحروف” سنة 2019، تلاه ديوانه الثاني “ديوان ف قصيدة” سنة 2020م، خاض تجربة جديدة من خلال ركوب قارب الشعر، وأصدر مولوده الشعري والذي حمل عنوان “بوح بوضوح” سنة 2023م. ثم ديوان “صدود وصمود” والذي يطمح من ورائه أن يجد القارئ بين ثناياه “ما نشترك فيه كبشر من أحاسيس فطرية تناهض وتدحض الظلم حيثما كان وفي أي زمان بدون مقايضات أو مزايدات، وهذا هو حال الإنسان الطبيعي بيننا، وما دون ذلك هو نوع من التخاذل المشين تجاه بعضنا كبشر. ستدعني أسافر معك وبك عَبْرَهُ إلى حيث للسوط لسان يُطبل ويُزَمّر، وللصمت المطبق وجود غير مبرر “وقد عاش الشاعر” أيام الحرب على غزة على غرار ما فات عليها من حروب، بشكل عصيب، فأخَذَ من نفسه ذلك مأخذه، فَلَم يجِدْ بُدا من أن يغرق في بحر الكتابة التي يجد فيها الملاذ والمُتَنفَّسَ لِلفُؤاد، لِيعَبِّرَ كتابة عما يدور بالبقاع المقدسة من جَوْرٍ وطغيان كُلَّما رأى ما يُعَكّر صفو خاطره، ولعل الحرب الأخيرة بضراوتها وقسوتها على الإنسان والنبات والحيوان كانت سببا قاهرا للانغماس أكثر بين تلابيب الحروف”. (الديوان، ص: 6)

لقد استحضر الشاعر، كلما بدا له خَبَرٌ بلغة العنف والدماء، الحلقات الأضعف في المجتمع، فوجد نفسه يفكر في حال الطفل الذي يُقصف البيت الذي يأويه وهو للسبب لا يعرف، والأرملة التي لا معيل لها وهي من الخوف ترتجف، والمسن الذي لا سند لديه وإلى وحدته أضيفت الهواجس والمخاوف، مما اقتاده للتفكير فيهم نحو عالم القصيد كي يصف ما هو خارج عن نطاق الوصف، فنسج من مشاعره المبعثرة، قصائد عدها توثيق شهادة شاهد على العصر، قصائد هذا الديوان شهادة على ما في الكيان كي يعرف من سيأتي بعدنا نحن الراحلون حتما كما رحل الأولون قبلنا، أن الفلسطيني استثناء بشري في الصبر تجاه المحن ولا يكف على الابتسام مهما عاش من طغيان، وأن صموده والعالم يرى ويسمع مني عند الغاصب عصيانا. (الديوان، ص: 8)

مضامين الديوان

ديوان “صدود وصمود” للشاعر المصطفى عبسي، في طبعته الأولى 2024م، والصادر عن مطبعة وراقة بلال (فاس)، يقع في 105 صفحة. ويعج هذا الديوان برسائل مباشرة وأخرى مبطنة حول قضية استحكم وجودها في ذاكرة المواطن العربى لأنها تشكل المرآة التي يرى فيها ذاته والآخرين من الخلف والعالم بأسره. هذه القصائد الشعرية غنية بالتركيبات الرمزية والإيحاءات والإحالات والمعاني التي يبدو معناها مألوفا للمتلقي لكن غير المألوف هو علاقة ذات هذا المتلقي بالقضية الفلسطينية، فكأني، يقول الناقد ذ: خالد بنسربوت،  بهذه التجربة الشعرية تعيد رسم حدود علاقتنا وتذكيرنا بها، لأن البعض منا أصبحت بالنسبة لهم هذه القضية بمشاهدها المؤلمة وصور الحرب المدمرة كشيء عادي مألوف ونسوا أنها قضية وطن مغتصب، وقضية أمة مستباحة دماء شعبها.

وإن أهم ما استوقفه في إطلالته على هذا الديوان عنوانه الذي ينفلت من ربقة التقليد والإتباع لينزاح بنا عن المعتاد ويغوص بنا في غياهب الحداثة الشعرية بكل مقاييسها المعلنة وغير المعلنة للقارئ. فكما نعلم أن الصدود مصدر من فعل صد، فنقول صده أي -رده وأعرض عنه، والإعراض هنا يتخذ لدى الشاعر إيثار الصمت وغض الطرف وغياب رد الفعل واللامبالاة. ولقد وردت كلمة الصدود وذكرت مطلقة في المعنى والمبنى لتأخذ بهذا نسقا تركيبيا يتجاوز حدود القضية، ثم إن هناك واو العطف التي تفيد مطلق الجمع والاشتراك، فكأنه بالعنوان كملفوظ يريد به صاحبه تجسير الهوة بين العالم والقضية بكسر جدار الصمت وإزاحة حواجزه عبورا إلى إعادة الإنصات بإمعان إلى القضية الفلسطينية وأهلها المستضعفين في الأرض، ليحول هذا الصدود في ظل هذا الصمود السرمدي لأهل فلسطين إلى رفض، إلى إدانة، إلى مواجهة، إلى وقوف في وجه هذا المحتل الغاشم الذي يجسد كل قيم ومعاني الشر في هذا الوجود.

وقد تنوعت قصائد هذا الديوان، وتحددت مضامينها واختلفت أشكالها وأحجامها بين الطول والقصر لكنها تآلفت وانسجمت حول موضوع واحد وهو القضية الفلسطينية، التي يستحضرها الشاعر بكل أبعادها الدينية والأخلاقية والإنسانية والسياسية والجغرافية، محاولا إعادة ترتيبها من جديد في وجدان المتلقي في بعده الوجودي والحضاري والإنساني.

إن هذه التجربة الشعرية للشاعر “المصطفى عبسي” تضع المتلقي العربي والمسلم والعالمي كل من موقعه الجغرافي والإنساني إزاء مسؤوليته التاريخية والإنسانية والدينية ليتخذ رد فعل إيجابي تجاه هذا الصمود ولينتقل لديه هذا الصدود إلى ردود أفعال عساها توقف هذا المحتل وتضع حدا لهذه الإبادة الجماعية لشعب أعزل أراد يوما الحياة.

أما بالنسبة لتيمات المتن الشعري للديوان فهي تتنوع وتتعدد، لكنها تلتئم في تيمة كبرى هي القضية أو الوطن المغتصب حيث تتألف لتشكل حفلا دلاليا واحدا، فتارة يصرح بها، مثل قوله في قصيدة ” للصمت حدود”:

كيف لضميرك أن يرتاح

وفلسطين ليست حرة.

ويقول أيضا:

صَبْرًا يَا فلسطين.

وتارة يشير إليه بغزة في قصيدة “نظرات مؤلمة”:

أَزهَارُ غزة لا تَنْمُو كَمَا تَنْمُو الْأَزْهَارُ.

كما يعتبرها تارة أخرى هي الأرض حين يقول في قصيدة “دروس فلسطينية”:

ألستِ أَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ؟

ألستَ أَرْضُ الْمِعْرَاج؟

وفي قصيدة “حقيقة الإنسان” يقول:

يَعِيثُ فِي الْأَرْضِ دَمَارًا.

ثم تتحول لديه إلى الوطن بقوله:

وَالذوْدُ عَنِ الْوَطَنِ فِي عُرْفِهِ مَحْظُورٌ.

فاستحضار الشاعر لغزة، للأرض، لفلسطين، والوطن يستدعي بالضرورة استحضار قيم ترافقها كالحرية والكرامة والحق وهي قيم إيجابية تقابلها قيم أخرى سلبية كالاحتلال والدمار والصمت. كما نجد أن في هذا الديوان وردت قيمة الحق بكثرة ووفرة على امتداد قصائده الشعرية وهذا ينسجم مع قيمة القضية أو الوطن، فها هو يقول في قصيدة “طفل غزة”:

مَا كَانَ لِصاحِب حَق يَوْمًا 

أَنْ حَلَا لَهُ الْفِرَارِ.

ثم يقول:

تَسْقُطُ الْحُجَجُ وَيَضِيعُ الْحَقُّ.

كما يقول:

فَأَبْوَابُ الْحَقِّ غَيْرُ مُوصَدَةٍ.

وإلى جانب الحق الذي هو مطلب العالم بأسره وأصحاب الحق يوجد الصمت، وهو يحضر كذلك في عدة قصائد منها قصيدة “الصامتون”:

بَعْدَ صَمْتِكُمْ وَنَحْنُ مَكْلُومُونَ

لا فَائِدَةَ فِي الكَلَامِ.

ويقول:

اصْمُتُوا عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِنَا

إِنَّهُ لَا يَسْتَوِي الْمَقَامُ.

فضلا عن ذلك، تحفل قصائد هذا الديوان ببعض الصور الشعرية ذات الدلالات الرمزية والإيحائية، ففي قصيدة “ابْنُ عُرُوبتي” يقول:

دَعُوا الشعر

يَقْتُلُنِي فِي الْقَصِيدِ

سَطْرًا سَطْرًا.

إِنَّ لِلْقَصِيدَةِ عَلَيَّ حَقٌّ

كُلَّمَا عَشِقَتْنِي بَادَلْتُهَا حُمْقًا.

فهو يصور الشعر رجلا يقتله قتلا معنويا من خلال كونه يخرج آلامه وجراحه الغائرة بسبب إحساسه العميق بمأساة الفلسطينيين وقضيتهم.

وفي قصيدة “يا الله” يقول:

فَالذِّئْبُ الْبَرِيءُ مِنْ دَمِ يُوسُفَ 

طِفْلُنَا الشَّهِيدُ فِي فَمِهِ وَجَدْنَاهُ.

فقد شبه المحتل بالذئب لمكره وبشاعته وخبثه ووحشيته وشبه طفل وإنسان غزة بنبي الله يوسف وما تعرض له من محن.

إن هذا الديوان في المضمون وفي الشكل يرتاد آفاق الحداثة الشعرية ويتخذ من بنية التضاد والتقابل عموده الفقري حيث يرحل بنا في صراع بين الحق والباطل، والحق والظلم، والصمت والكلام، والموت والحياة، والدمار والإعمار، كما يقول مثلا في قصيدة “للصمت حدود”:

تِلْكَ فَضَائِلٌ خَلَتْ.

تِلْكَ رَدَائِلٌ حَلَّتْ.

وتعكس بنية هذا الصراع وبنية التضاد في النص صراعا خارجيا مع المحتل وصراعا داخليا مع الذات حيث يعيش كل إنسان بداخله توترا بين الصدود والصمود وهي لحظة يسعى الشاعر إلى خلقها لدى المتلقي ليعيد للقضية زخمها في أبعـادها الحضارية الشاملة. (تقديم الديوان، ص: 15)

وقد جاءت عناوين القصائد كالآتي: قالوا، هاكم قصائدي، حقيقة الانسان، للصمت حدود، يا الله، فلسطين، طفل غزة، علمنا كيف، الشهيد، الصامتون، ابن عروبتي، دروس فلسطينية، نظرات مؤلمة، تعالى.

وختم ديوانه بهذه الأبيات:

هون عليك أيها المظلوم.

فنحن نعيش حقا في عالم مجنون.

لا يكثرت للحزين المكلوم.

همه صناعة الشقاء والألم مضمون.