مقدمة

يعتبر الإحصاء العام للسكان والسكنى أحد أهم مصادر البيانات السكانية، وذلك بالنظر لما يتمتع به من دقة عالية في تجميع وتصنيف وتقييم وتحليل ونشر البيانات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بجميع السكان في بلد معين أو جزء محدد بدقة من ذلك البلد وفي نفس الفترة. وتتيح التعدادات العامة إمكانية التعرف بشكل دقيق على خصائص السكان من حيث العدد والسن والجنس والمستوى التعليمي والمهنة والهجرة وظروف السكن، كما تساعد على إعداد إحصائيات حول التطور الديموغرافي والتحولات الاجتماعية بغرض وضع سياسات عمومية آنية ومستقبلية. كما يعتبر الإحصاء العام أيضا أداة ناجعة لوضع سياسات لتهييء المجال على اعتبار أن الإحصاء العام هو الكفيل بتحديد السكان القانونيين لكل وحدة إدارية على حدة. بالإضافة إلى ذلك يمكن الإحصاء العام من إعداد المؤشرات الأساسية للتنمية خاصة تلك التي تعتبر موضوع تتبع من قبل هيئات الأمم المتحدة، حيث أن جودة هذه المؤشرات ومطابقتها مع المعايير الدولية يرتقي بمصداقية وشفافية المنظومات الإحصائية الوطنية كما يجعل الأوضاع الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية لبلد معين قابلة للمقارنة مع بقية البلدان.

خصائص وأهداف الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمغرب

يعتبر المغرب من الدول العربية الرائدة في إنجاز الإحصاءات العامة، حيث تحظى النتائج المترتبة عن هذه العملية الإحصائية الكبرى بمصداقية كبيرة سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي خاصة وأنها تمتاز بخمس خصائص أساسية وهي كالآتي[1]:

  • الشمولية: وتعني أن الإحصاء العام يشمل جميع السكان والأسر بشكل شامل.
  • التزامنية: وتعني أن إجراء مقابلات الإحصاء تتم في وقت واحد بالنسبة لجميع السكان الخاضعين للتعداد خلال فترة محددة وبمرجع تاريخي محدد يسمى بالتاريخ المرجعي للتعداد.
  • الفردية: وتعني بأن استقصاء مجموع البيانات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية التي يتم تجميعها في إطار هذه العملية تتم بالنسبة لكل فرد على حدة.
  • الدورية: وتعني انتظام مواعيد إنجاز الإحصاء العام، وغالبا ما تكون المدة الفاصلة بين التعداد هي عشر سنوات، مع الإشارة إلى أن هناك بعض الدول التي تجري التعدادات السكانية كل خمس سنوات وأحيانا تجرى بشكل غير منتظم، ويعتبر المغرب من الدول التي تحترم دورية إنجاز الإحصاء العام مرة كل عشر سنوات.
  • الإشراف الحكومي: حيث يحظى الإحصاء العام للسكان والسكنى برعاية حكومية كاملة من الناحية القانونية والمالية والإدارية. وتتولى المندوبية السامية للتخطيط باعتبارها المؤسسة الحكومية المختصة بشؤون الإحصاء بالإشراف على هذه العملية إلى جانب وزارة الداخلية عبر ولاتها وعمالها في الجهات والأقاليم.

وباختصار شديد يمكن أن نلخص أهداف الإحصاء العام للسكان والسكنى بالمغرب في أربع أهداف رئيسية:

  • أولا: تحديد السكان القانونيين لمجموع الوحدات الإدارية للمملكة؛
  • ثانيا: معرفة مختلف البنيات الديموغرافية والسوسيو اقتصادية للسكان؛
  • ثالثا: معرفة ظروف سكن الأسر وخصائص مختلفات طبقات السكن؛
  • رابعا: تكوين العينة الرئيسية الضرورية لإنجاز كافة البحوث بالعينة خلال فترة ما بين الإحصائين.

تعداد السكان خلال الفترة الاستعمارية

شهد المغرب خلال المرحلة الاستعمارية عددا كبيرا من عمليات تعداد السكان، حيث جرت أول عملية من هذا النوع في عام 1921 وآخرها في عام 1952. لكن يمكن تقسيمها إلى مرحلتين أساسيتين؛ حيث عرفت المرحلة الأولى إنجاز عمليات عد بسيطة تم إنجازها على فترات غير منتظمة في المنطقة الجنوبية (منطقة الحماية الفرنسية) والمنطقة الشمالية (منطقة الحماية الإسبانية) من قبل السلطات الفرنسية والسلطات الإسبانية. فقد كانت عبارة عن تقديرات وتعدادات تقريبية (تعدادات 1921 و1926 و1931 بالمنطقة الجنوبية و1930 و1935 بالمنطقة الشمالية)[2]. أما المرحلة الثانية فقد انطلقت مع إحصاء 1936 الذي قدم معلومات إضافية من الناحية الديموغرافية واللغوية والوظيفية، حيث تم إنجاز هذا الإحصاء بعد وضع سجل كامل بأسماء الدواوير والقبائل وتحسين مستوى المشتغلين بعملية الإحصاء[3]. غير أن التعدادات التي تليت هذه المرحلة لم تحافظ على نفس جودة المعطيات الإحصائية السابقة فجاءت تعدادات 1940 و1950 بالمنطقة الشمالية و1941 بمنطقة طنجة الدولية، و1951 و1952 بالمنطقة الجنوبية أقل جودة من تعداد 1936.[4]وقد كان لاضطراب الظروف السياسية والانتفاضات المتكررة للسكان وامتناعهم عن الإدلاء بمعلوماتهم لسلطات الحماية أثر واضح في جودة البيانات الديموغرافية لكافة العمليات التي أجرتها الإدارة الاستعمارية في تلك الفترة. ولذلك في الغالب لا يتم مقارنة البيانات والمعطيات الديموغرافية التي تم تحصيلها في مرحلة ما بعد الاستقلال بالفترة الاستعمارية إلا بتعداد 1936 بشكل حصري.[5]

الإحصاءات المنجزة بعد الاستقلال

يرجع تاريخ إجراء أول إحصاء في المغرب المستقل إلى سنة 1960. ومنذ ذلك الحين، أجرى المغرب خمسة إحصاءات عامة (1971، 1982، 1994، 2004، 2014)، بفارق زمني يقارب عشر سنوات. ويعد تعداد يونيو 1960 أول عملية من نوعها يتم إجراؤها في مجموع أنحاء التراب المغربي المحرر. حيث يعتبر الإحصاء الأول الذي استجاب لتوصيات الأمم المتحدة، سواء من حيث التاريخ المرجعي أو من حيث تصميمه وتنفيذه، وهو ما جعل من الممكن جمع كتلة كبيرة من البيانات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والتي لم تكن متوفرة إلى حدود ذلك الوقت.[6]

ويُعتبر إحصاء عام 1971 ثاني عملية ستُجرى على امتداد التراب الوطني، باستثناء أقاليم العيون وبوجدور والسمارة ووادي الذهب التي تم إحصاؤها سنة 1974 خلال الفترة الاستعمارية الإسبانية[7]. فسكان الأقاليم الجنوبية المسترجعة سنة 1975،سيتم إحصاؤهم لأول مرة في الإحصاء العام لسنة 1982 مثل باقي أقاليم المملكة، مما جعل إحصاء عام 1982 أشمل عملية نفذت حتى ذلك الحين في جميع أنحاء البلاد،[8] تماما كما هو الشأن مع الإحصاءات اللاحقة لسنوات 1994 و2004 و2014. وجدير بالذكر أن المغرب مقبل على إجراء الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 باعتباره سابع إحصاء عام في عهد المغرب المستقل. وقد جرت العادة بمباشرة أعماله التحضيرية من خلال تحيين الأعمال الخرائطية سنتين قبل موعد إجراء الإحصاء العام.

تطور سكان المغرب من خلال الإحصاءات المنجزة

ساهم التوازن بين الوفيات والولادات في انخفاض معدلات النمو الطبيعي للسكان بالمغرب إلى حدود نهاية القرن التاسع عشر، حيث كانت الولادات والوفيات تستقران في مستويات مرتفعة للغاية، غير أنه ومع مطلع القرن العشرين ومع التحول الكبير على مستوى الظروف المعيشية وتحسن شروط الرعاية الصحية، فقد عرف النمو السكاني طفرة ملحوظة[9]. ويتجه اليوم النمو الديموغرافي بالمغرب نحو الانخفاض مجددا بسبب التوازن بين معدلات الخصوبة ومعدلات الوفيات واللتان تستقران في مستويات منخفضة، وهو ما يتضح من خلال اتجاه منحنى معدلات النمو بحسب معطيات ست إحصاءات عامة أجريت في المغرب منذ 1960 إلى حدود سنة 2014 حيث انتقل معدل النمو السنوي من 2.5 % (الإحصاء العام لسنة 1972) إلى حدود 1.3 % (الإحصاء العام لسنة 2014). أما بخصوص حجم السكان فقد عرف تطورا ملحوظا خاصة منذ خمسينيات القرن العشرين حيث انتقل عدد السكان من 11.6 مليون نسمة سنة 1960 إلى 15.379 مليون سنة 1971، و20.4 مليون سنة 1982، و29.9 مليون سنة 2004 ليصل العدد إلى 33.848 مليون نسمة سنة 2014.[10]

المراجع
[1] Aperçu sur les recensements au Maroc, consulté le 30/09/2022 sur: https://rgph2014.hcp.ma/Apercu-sur-les-recensements-au-Maroc_a29.html.
[2] مصطفى عياد، معلمة المغرب، مادة الإحصاء بالمغرب، الجزء 1، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا، 1989، ص 151.
[3] مصطفى عياد، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 151.
[4] مصطفى عياد، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 151.
[5] مصطفى عياد، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 152.
[6]Aperçu sur les recensements au Maroc: https://rgph2014.hcp.ma/Apercu-sur-les-recensements-au-Maroc_a29.html, Ibid.
[7]Aperçu sur les recensements au Maroc: https://rgph2014.hcp.ma/Apercu-sur-les-recensements-au-Maroc_a29.html, Ibid.
[8]Aperçu sur les recensements au Maroc: https://rgph2014.hcp.ma/Apercu-sur-les-recensements-au-Maroc_a29.html, Ibid.
[9] التقرير الوطني حول "السكان والتنمية في المغرب: خمس وعشرون سنة بعد مؤتمر القاهرة 1994"، مطبعة لون، 2019، الرباط، ص 30.
[10] التقرير الوطني حول "السكان والتنمية في المغرب: خمس وعشرون سنة بعد مؤتمر القاهرة 1994"، ص 31.